[ج 1: ص 109] ثم كانت غزوة الحديبية. خرج رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ومعه ألف وثمانمائة رجل وسبعون بدنة، فأحرم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ومن معه من ذي الحليفة، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وساق أبو بكر بدنا، وطلحة بدنا، وسعد بن عبادة بدنا، فلما بلغ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غدير عسقان ذات الأشطاط لقيه بسر بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله! هذه قريش سمعت بك وخرجت قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم، فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"يا ويح قرش! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب! فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وآووني، ووالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله عليه حتى يظهرني الله". ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض على طريق يخرجه على ثنية المرار مهبط الحديبية، فلما بلغ صلى الله عليه وسلم ثنية المرار بركت ناقته، فقالوا: خلأت القصواء، فقال:"ما خلأت القصواء وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، والله لا يدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها". ثم قال للناس:"انزلوا". فقالوا: يا رسول الله! ما بالوادي ما ينزل عليه الناس، فأخرج رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل في قليب من تلك القلب، فغرزه في جوفه فجأش بالرواء حتى ضرب الناس بعطن. فلما اطمأن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أتاه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة، فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كقوله لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش، فقالوا: يا معشر قريش! إنكم تعجلون على محمد، إن محمدا لم يأت لقتال إنما جاء زائرا لهذا البيت، فقالوا: وإن جاء لذلك فلا والله لا يدخلها علينا عنوة، ولا تتحدث بذلك العرب ثم بعثوا مكرز بن حفص بن الأحنف أحد بني عامر بن لؤي، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال:"هذا رجل غادر". فلما انتهى إلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كلمه رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لنحو ما كلم به أصحابه، فرجع إلى قريش وأخبرهم بذلك. فبعثوا إليه الحليس بن علقمة الكناني، وهو يومئذ سيد الأحابيش، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهدي في وجهه". فلما رأى الهدي يسير عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس رجع إلى قريش، فقال: يا معشر قريش! قد رأيت ما لا يحل صد الهدي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، فقالوا: اجلس لا علم لك. وبعث رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خراش بن أمية