الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب ما جاء في قول الله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ) . هذا الباب السابع والستون.
مناسبة الباب لـ (( كتاب التوحيد ) )أراد المصنف أن يختم كتابه بهذا الباب المشتمل على النصوص الدالة على عظمة الله وخضوع المخلوقات له مما يدل على أنه هو المستحق للعبادة وحده، وأن له صفات الكمال ونعوت الجلال، بمعنى أنه سيذكر في هذا الباب بعض الصفات المتعلقة بمخلوقات الله تعالى الدالة على كمال خلقه وقدرته وسلطانه، يستلزم ماذا؟ أنه هو الذي يُعبد دون ما سواه.
قال ابن السعدي رحمه الله تعالى: ختم المصنف رحمه الله تعالى كتابه بهذه الترجمة، وذكر النصوص الدالة على عظمة الرب العظيم وكبريائه ومجده وجلاله وخضوع المخلوقات بأثرها لعزه لأن هذه النعوت العظيمة والأوصاف الكاملة أكبر الأدلة والبراهين على أنه المعبود وحده. ولذلك قلنا: توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية.
ثم قال: المحمود وحده الذي يجب أن يُبْذَلَ له غاية الذل والتعظيم وغاية الحب والتأله، وأنه الحق وما سواه باطل وهذه حقيقة التوحيد ولُبُّه وروحه وسرُّ الإخلاص.
إذًا إذا عرف عظمة ربه استلزم أن يُفرده وحده دون ما سواه بالعبادة.
ذكر المصنف تحت الترجمة آية وستة أحاديث.
قال رحمه الله تعالى: (باب ما جاء في قول الله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ) ، ( {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ) (ما) نافيةٌ، و ( {قَدَرُوا} ) الضمير يعود إلى المشركين، ... ( {حَقَّ قَدْرِهِ} ) قال المبرد: أي ما عظموه حق عظمته، من قولك فلا عظيم القدرِ، وإنما وصفهم بذلك لأنهم عبدوا غير الله، يعني لماذا لم يعظموا الله تعالى حق قدره؟ لأنهم عبدوا غير الله، فلما عبدوا غير الله دل على ماذا؟ على أنهم ما عرفوا عظمة الله، إذ لو عرفوا عظمة الله لما صرفوا العبادة لغير الله تعالى هذا الذي عناه. من قولك فلان عظم القدر وإنما وصفهم بذلك لأنهم عبدوا غير الله وأمروا رسوله بأن يكون مثلهم في الشرك.
قال ابن كثير يقول تعالى: ما قدر المشركون بالله - ما قَدَرَ، ما قدَّر - ما قدر المشركون بالله حقّ قدره حتى عبدوا معه غيرهُ وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيءٍ تحت قهره وقدرته.
قال مجاهدٌ: نزلت في قريش. قال السُّدِّيّ: ما عظموه حق تعظيمه. وقال محمد بن كعب: لو قدروه حق قدره ما كَذَّبُوه. يعني ما كذبوا الرسل، وما كَذَّبُوا الله تعالى.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباسٍ: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم. يعني ( {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ) مَنْ؟ كل مشركٍ وكل كافر، كل من صرف العبادة لغير الله تعالى إنما جاءه الخلل من ماذا؟ من كونه لم يَقْدِر الله حق قدره، لو عرف قدر الله تعالى لما صرف العبادة لغيره جل وعلا. ولذلك ابن عباس: هم الكفار. كل كافر، كل مشركٍ، الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن الله على كل شيءٍ قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره. فالضمير الفاعل في قوله: ( {وَمَا قَدَرُوا} ) يعود على كل مشركٍ وكافر. وقرأ الحسن وأبو حيوة وعيسى بن عمر: (قَدَّرُوا) بالتشديد.