الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في ضمن أبواب (( كتاب التوحيد ) ) (باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه) هذا الباب الثالث والستون (باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه) .
مناسبة الباب لـ (( كتاب التوحيد ) ): التنبيه على أن الوفاء بالعهود تعظيم لله تعالى، وعدم الوفاء بها عدم تعظيم له، فهو قدح في التوحيد، فعدم الوفاء بعهد الله تنقص له وهذا مخلٌّ بالتوحيد، إذًا الوفاء بعهد الله تعالى وخاصةً إذا أُخِذَت فيها المواثيق أو الإيمان المغلظة حينئذٍ نقول: هذا الوفاء به يعتبر من تعظيم الله تعالى، وعكسه بالعكس، بمعنى أن عدم الوفاء عدم تعظيم لله تعالى، التنبيه على أن الوفاء بالعهود تعظيم لله تعالى، وعدم الوفاء بها عدم تعظيم له، فهو قدح في التوحيد، فعدم الوفاء بعهد الله تنقص له وهذا مخلٌّ بالتوحيد.
قوله: (ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه) . أي من الدليل على وجوب حفظها والوفاء بها، كما مرّ معنا مرارًا ما جاء في كذا والمراد به ما ثبت من الأدلة وما ورد في الكتاب والسنة، فالمجيء هنا مجيء معنوي والمراد به الورود، (ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه) أي من الدليل على وجوب حفظها والوفاء بها، والمراد التي تدخل في العهود، يعني بعضهم خصها وبعضهم عمَّ كما عممها كما سيأتي، وأن عدم الوفاء عدم تعظيم له فهو قدحٌ في التوحيد كما سبق، ففيه الحث على حفظ العهود والوفاء بها إذا أُعطيت لأحدٍ ما، والذمة لقوله: (ما جاء في ذمة الله) أي عهد الله الذمة بمعنى العهد، سُمِّيَ بذلك لالتزامه به يلتزمه لله عهد كذا إلى آخره، يقال الذمام ما يُذَمُّ الرجل على إضاعته من عهد، ذِمَام على وزن فِعَال، ويُطلق ويراد به ماذا؟ ما يُذَمُّ الرجل على إضاعته من عهدٍ، بمعنى أنه لا يفي بالعهد، فيقال للرجل ذِمَام، وكذلك الذمة والْمَذَمَّةُ وَالْمَذِمَّة بفتح الميم وكسر الذال، وقيل: لي مَذَمَّةٌ فلا تهتكها، لي مذمة يعني عهد، وأذهِب مذمتهم بشيء يعني أعطهم شيئًا لِمَا لهم من الذِّمَام، وأَذّم بكذا أضاع ذِمَامه، والمراد بالعهد هنا ما يُكون بين المتعاقدين في العهود كما كان بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وأهل مكة في صلح الحديبية، هذا المراد به في هذا الموضع.
قال ابن السعدي رحمه الله تعالى: المقصود من هذه الترجمة البعد والحذر من التعرض للأحوال التي يُخْشَى منها نقض العهود والإخلال بها بعدما يُجعل للأعداء المعاهدين ذمة الله وذمة رسوله. يَجعل يُجعل ذمة الله وذمة رسوله، فإنه متى وقع النقض في هذه الحال كان انتهاكًا من المسلمين لذمة الله وذمة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فإذا أعطوا العهد بذمة الله وذمة رسوله حينئذٍ لا ينقض البتة، وتركًا لتعظيم الله فإنه متى وقع النقض في هذه الحال كان انتهاكًا من المسلمين لذمة الله وذمة نبيه، وتركًا لتعظيم الله وارتكابًا لأكبر المفسدتين كما نبه عليه الصلاة والسلام، وفي ذلك أيضًا تهوين للدين والإسلام وتزهيد للكفار به، فإن الوفاء بالعهود خصوصًا المؤكدة بأغلظ المواثيق من محاسن الإسلام الداعية لأعداء المنصفين إلى تفضيله وإتباعه.
إذًا الوفاء بالعهود وخاصةً إذا أخذ فيها ذمة الله وذمة نبيه - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ لا تنقض البتة، ولذلك عقد المصنف رحمه الله تعالى هذا الباب لأجل تبين هذه المسألة أن نقض العهد إذا أُخذ فيه ذمة الله تعالى وذمة نبيه - صلى الله عليه وسلم - يكون فيه تنقص للباري جل وعلا وعدم تعظيمه.