الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في ضمن أبواب (( كتاب التوحيد ) ): (باب قول الله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} ) ، هذا الباب الثاني والأربعون (باب قول الله تعالى: ... {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} ) .
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أنه لَمَّا كان مِنْ تحقيق التوحيد الاحتراز من الشرك بالله في الألفاظ وإن لم يقصد المتكلم بها معنى لا يجوز، على القاعدة السابقة، أن اللفظ إذا كان محتملًا لمعنى باطل قد يكون شركًا أو قريبًا منه، وقد يحتمل معنى آخر، حينئذٍ يتميز أحد المعنيين بالنيّة، حينئذٍ نمنع من هذا اللفظ.
القاعدة: سدًّا للذرائع نمنع من هذا اللفظ.
لَمَّا كان من تحقيق التوحيد الاحتراز من الشرك بالله في الألفاظ وإن لم يقصد المتكلم بها معنى لا يجوز، بل ربما تجري على لسانه من غير قصد، فمن يجري على لسانه ألفاظ من أنواع الشرك الأصغر لا يقصدها، لَمَّا كان الأمر كذلك نبَّه المصنف رحمه الله تعالى على ذلك وبيَّن بعض هذه الألفاظ ليُجْتَنَبَ التَّلَبُّس بها، أو لتُجْتَنَبَ هي وما ماثلها، حينئذٍ يكون هذا الباب متعلقًا ببيان بعض مفردات الشرك الأصغر، ومرّ معنا أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يذكر بعض مفردات الشرك الأكبر، وهذا هو الغالب على الكتاب، وقد ذكر بعضًا مما يتعلق بمفردات الشرك الأصغر، وعرفنا أن ما يكون شركًا أصغر لا يلزم منه ألا يكون أكبر، وإنما العبرة بحسب القصد، فما يُذكر أو يأتي من الألفاظ التي ذكرها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الأصل فيها أنها شرك أصغر، لكن قد تكون بحسب المعتقد يكون شركًا أكبر.
قال ابن السعدي رحمه الله تعالى: الترجمة السابقة على قوله تعالى: ... ( {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا} ) يعني فيما سبق من أبواب يقصد بها الشرك الأكبر، بأن يجعل لله ندًّا في العبادة والحبّ والخوف والرجاء، وغيرها من العبادات، يعني التنديد المطلق من كل وجهٍ، المساواة من كل وجهٍ، وهذا شرك أكبر ( {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا} ) ، وهنا في الآية التي معنا ( {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا} ) حمل ابن عباس على بعض مفردات الشرك الصغر، حينئذٍ لا تعارض بينهما، وهذه الترجمة المراد بها الشرك الأصغر، كالشرك في الألفاظ كالحلف بغير الله، وكالتشريك بين الله وبين خلقه في الألفاظ فلولا الله وفلان، وهذا بالله وبك، وكإضافة الأشياء ووقوعها لغير الله، فلولا الحارس لأتانا اللصوص، ولولا الدواء الفلاني لهلكتُ، ولولا حذق فلان في المكسب الفلاني لَمَا حصل، فكل هذا ينافي التوحيد، ولكن ما جاء في قوله: (لولا) كالتفصيل السابق الذي معنا، بمعنى أنه إذا قصد الخبر المحض حينئذٍ لا إشكال فيه، وأما إذا أراد به السبب ونَسِيَ المسبِّب الحقيقي وهو الله تعالى حينئذٍ صار من الشرك الأصغر.