فهرس الكتاب

الصفحة 1959 من 2014

(الرابعة: التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي) . قاعدة فعل الذنب مع الدَّاعي أخف من فعل الذنب مع عدم الدَّاعِي، ولذلك قال البعض: الذنب الصغير قد يكون كبيرًا، والكبير قد يكون صغيرًا. ذكر ابن القيم ذلك في (( المدارج ) )وتوسع في شرحه، قد يأتي الإنسان كبيرةً من الكبائر لكن عنده من الخوف والإنابة والجزع والخوف أن يُقبض على معصيته وقد ينوي التوبة بعد .. إلى آخره، يقوم بقلب معانٍ جليلة عظيمة لكنه لضعفه يتلبس هذا في حقّه قد يقال بأن الكبيرة تكون صغيرة، قد يأتي ذاك صغيرةٌ ولا يُبالي ويجهر بها أمام الناس وكأنه وَكأنه وليس في قلبه أدنى ما يَستشعر أنه قد تلبس بمعصيةٍ كأنه يشرب الماء الزلال هذا المعنى الذي يقوم بالقلب قد يجعل الصغيرة كبيرة، ولذلك قال بعضهم: لا فرق بين الصغيرة والكبيرة أنكر وجود الصغائر، قال: كلها كبائر لأنه سيقوم بقلبه مثل ذلك. المراد هنا ماذا؟ أن ثَمَّ فرقًا بين الداعي للمعصية، وعند عدم الداعي للمعصية، وهذا في الأصل وقد يختلفان. قال هنا: (التنبيه على أن الذنب يعظم) . يعني باعتبار ذاته وباعتبار ما يترتب عليه، باعتبار ذاته كيف؟ بأن يكون ذنبًا صغيرًا يتحول كبيرة، إذًا باعتبار ذاته فيكون في حقه كبيرةً من الكبائر، لأن الذنب ليس المراد به شيء ظاهر يتلبس به، وإنما هو مركب من شيئين، مثلًا يقع في سرقةٍ وما يقوم بالقلب، ليس هو فعل ظاهر فقط وإنما ما يقوم بالقلب، ولذلك قد يكون ماذا؟ قد يعتقد إباحة المحرم ويفعله وهذا يكفر، إذًا تلبس به بظاهره ما أخرجه من الملة من اعتقاده بقلبه، وقد يعتقد أنه محرم، وعلى التفصيل الذي ذكرناه. إذًا (يعظم) هذا باعتبار ذاته ليكون الصغيرة كبيرة وباعتبار العقوبة المترتبة عليه، (يعظم مع قلة الداعي) أي لقوله: ( «أُشَيْمِطٌ زان، وعائل مستكبر» ) . فإنهما لا داعي لهما إلى المعصية فعظمت عقوبتهما بخلاف الشاب إذا زنى مثلًا، الشاب إذا زنى وافق طبعه، وأما الكبير السن لم يوافق طبعه، إذًا دل هذا على أن الجبلة أثرت ففيه، وهو الشاب وهذا إنما هو حبّه لهذه المعصية فتلبس بها، والغني إذا تكبر هذا له داعي أو لا؟ له داعي وُجِدَ مع كونه محرمًا لكن نقول: وجود الداعي يخفف العقوبة، أما عند انتفاء الداعي نقول: هذا يترتب عليه ماذا؟ عِظَم العقوبة كما في حديث سلمان.

(الخامسة: ذم الذين يحلفون ولا يستحلفون) . يعني لا يطلب منهم الحلف لقوله: ( «تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته» ) . ولكن هذا ليس على إطلاقه لأنه قال ماذا؟ (ذم الذين يحلفون ولا يستحلفون) النبي - صلى الله عليه وسلم - حلف ابتداءً أو لا؟ النبي - صلى الله عليه وسلم - نُقِلَ عنه في القرآن فحينئذٍ نقول: قوله (ذمّ الذين يحلفون) . هذا ليس على إطلاقه، وإنما أراد المصنف هنا ما جاء في الأحاديث السابقة لم يستحضر المسائل كلها التي تعلق بالحلف. إذًا نقول: هذا ليس على إطلاقه لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حلف ولم يُسْتَحْلَفْ. يعني لم يطلب منه الحلف في مواضع عديدة بل أمره الله تعالى أن يحلف في ثلاثة مواضع من القرآن دون أن يُستحلف {وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي} [يونس: 54] . هذا حلف أو لا؟ {وَرَبِّي} الواو واو القسم، إذًا أقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمره الله تعالى بذلك {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي} [التغابن: 7] الواو واو القسم أمره الله تعالى بذلك {قُلْ بَلَى وَرَبِّي} ، {قُلْ} ، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي} [سبأ: 3] إذًا ثلاثة مواضع أمره الله تعالى أن يحلف، وهل استحلفه أحد؟ الجواب: لا.

إذًا (ذم الذين يحلفون ولا يستحلفون) ليس على إطلاقه. وعليه فالحلف لحاجةٍ أو مصلحةٍ لا محذور فيه البتة، بل جاء العفو عن ماذا؟ عن لغو اليمين لأن الأصل فيه ماذا؟ الإباحة {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 225] والله، والله، الذي يعتري اللسان، كونه لا يؤاخذ باللغو في اليمين دليلٌ على ماذا؟ على لو أنه حلف ابتداءً لا إشكال فيه وهو كذلك، والأصل الجواز وقد يكون مندوبًا كما حلف - صلى الله عليه وسلم - في قصة المخزومية حيث قال: «وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت