فهرس الكتاب

الصفحة 1802 من 2014

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد.

قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في (( كتاب التوحيد ) ): (باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت) .

هذا هو الباب الثالث والخمسون من أبواب (( كتاب التوحيد ) ).

مناسبة الباب لكتاب التوحيد: لَمَّا كان قول: (اللهم اغفر لي إن شئت) يعني تقييده بـ (إن شئت) ، وأما اللهم اغفر لي هذا لا إشكال فيه، بل هو مطلوب من العبد، لكن الكلام فيما يتعلق بتعليق طلب المغفرة بالمشيئة (إن شئت) ، هذا التعبير أو هذا اللفظ أو هذا القول يدل على فتور الرغبة، الرَّغبة ليست بتلك، وقلة الاهتمام بالمطلوب، ويُنْبِئُ عن قلة اكتراثه بذنوبه ورحمة ربه، وذلك منافٍ للتوحيد، يعني (اللهم اغفر لي إن شئت) وإن لم تشأ لا تغفر لي لست محتاجًا إلى المغفرة، هذا الذي يُنْبِئُ عنه اللفظ، ولذلك قالوا: يُنْبِئُ عن قلة اكتراثه بذنوبه ورحمة ربه وذلك منافٍ للتوحيد، منافٍ للتوحيد قد يكون منافيًا لأصله، وقد يكون منافيًا لكماله الواجب، وعرفنا فيما سبق أنه في مثل هذه التراكيب لا يُنفى كمال المستحب، إنما المراد به الكمال الواجب، فكلما ترجم له الإمام هنا رحمه الله تعالى فالمراد به إما أنه ينافي أصل التوحيد، وإما أنه ينافي كماله الواجب، وأما المستحب فهذا لا يَتَأَتَّى كما مر معنا في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن كمال المستحب هذا لا يتأتى في الشرع، ويُشْعِرُ أيضًا بأن الله تعالى قد يضطره شيءٌ إلى فعل ما يفعله، وهذا محظور كذلك مضاد للتوحيد، ... (اللهم اغفر لي إن شئت) هذا يُشعر بماذا؟ أن الله تعالى قد يكرهه شيءٌ يجعله يفعل أو يجعله لا يفعل، حينئذٍ هذا يكون فيه تقييدًا لفعل الباري جل وعلا، وهذا باطلٌ، وكذلك قد يكون منافيًا لأصل التوحيد وقد يكون منافيًا لكماله الواجب، فالعبد لا غنى له عن رحمة الله تعالى ومغفرته طرفة عين، بل هو فقير بالذات إلى الغني بالذات كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15] . فنُهِيَ عن هذا القول (اللهم اغفر لي إن شئت) وليس المراد به المغفرة فحسب ... (اللهم اغفر لي إن شئت) اللهم ارحمني إن شئت اللهم، ارزقني إن شئت وهكذا، فالمراد تعليق الدعاء بالمشيئة، وليس المراد عين المغفرة طلب المغفرة، إنما المراد سؤال الباري جل وعلا وتعليقه بالمشيئة، حينئذٍ كل دعاءٍ لا بد فيه من الجزم وليعزم المسألة كما سيأتي، وأما تعليقه بالمشيئة ففيه المحاذير التي سمعتم، فنُهِيَ عن هذا القول لما فيه من إيهام الاستغناء عن مغفرة الله تعالى ورحمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت