ومناسبة الباب للأبواب السابقة أن هذا الباب يتضمن من كمال الله تعالى وكمال سلطانه وكمال جوده وكرمه وفضله وذلك من صفات الكمال، قوله: (باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت) . أي أنه لا يجوز للحديث الذي سيأتي معنا الأصل فيه التحريم، وإذا كان الأصل فيه التحريم، حينئذٍ قلنا كلمة التحريم هذه تدل على بيان الحكم التكليفي أنه محرم، لكن ما نوع الذنب؟ هذا يحتاج إلى النظر في المعنى أو النظر في دليل آخر، بمعنى أنه قد يُحَرّم الشيء تأتي صيغة النهي حينئذٍ نقول: هذا للتحريم، ثم نحكم عليه بأنه شركٌ، الحكم عليه بكونه شركًا أخصّ من مطلق التحريم، أليس كذلك؟ هل نحتاج إلى دليل آخر من نص كتاب أو سنة؟ قلنا: نعم، لكن أحيانًا يكون هذا الدليل نوعه أنه فهم لحقيقة الشرك مثلًا، أو فهمٌ لحقيقة التوحيد، فحقيقة التوحيد مأخوذة من مجموع أدلة، وحقيقة الشرك مأخوذة من مجموع أدلة، حينئذٍ كل منهما حقيقة شرعية، فإذا كان كذلك حينئذٍ يفهم التحريم على وفق هاتين الحقيقتين، إما كونه منافيًا للتوحيد، وإما يعني لكونه انتفى فيه ركنٌ أو شرط وإما أنه وجدت فيه حقيقة الشرك، واضح هذا؟ فنحكم عليه بكونه ماذا؟ بكونه شركًا، إذًا نحكم على الشيء بكونه محرمًا لوجود صيغة التحريم، ثم يرد السؤال هل هو شركٌ أكبر؟ هل هو شرك أصغر أم أنه كبيرةٌ من الكبائر؟ حينئذٍ نقول: ننظر في المعنى، هل وُجِدَ في هذا المنهي عنه ما يدل على انتقاض التوحيد فوات ركن أو فوات شرط حينئذٍ نقول: انتفى التوحيد، فنستدل بكل آية جاءت في معنى التوحيد أو بمجموع الأدلة على كون التحريم هنا يدل على أنه وقع في شركٍ أكبر ونحو ذلك أو في الكفر الأكبر.
إذًا (باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت) نقول: هذا معناه أنه لا يجوز للحديث الآتي ( «لا يقل» ) حينئذٍ نقول: هذا نهي والنهي يقتضي التحريم.
(باب قول: اللهم) وهذا بالترقيق لأن الله لام الجلالة إذا جاءت بعد كسرٍ على قول الجمهور أنها تُرقق، وإذا جاءت بعد فتحٍ أو ضم فهي تُفخم هذا قول الجمهور، وقيل: ترقق مطلقًا، وقيل: تفخم مطلقًا.
وفخم الله من اسم الله ... عن فتحٍ وضمٍ كعبد الله
عَبْدُ اللَّه رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ، مَرَرْتُ بِعَبْدِ اللَّهِ مَرَرْتُ بِعَبْد [اللَّهِ] [1] يجوز فيه الوجهان هنا كذلك (اللهم اغفر لي) نعم (باب قول: اللهم) ، اللهم أصله يا الله، حُذفت ياء النداء لكثرت الاستعمال وعُوِّضَ عنها الميم كما مر معنا مرارًا (اللهم اغفر لي) ، (اغفر) هذا فعل دعاء، وكونه فعلًا يدل على الدعاء هذا يُسمى بهذا الاسم أدبًا مع الله تعالى، وإلا في أصل المعنى اللغوي هو فعل أمر، لكن لكونه من العبد إلى خالقه يُسمى فعل دعاء، وليس هذا تسليمًا للتقسيم المشهور عند البيانيين وغيرهم أنه كان من أدنى إلى أعلى سُمِّيَ دعاءً، وإن كان من أعلى إلى أدنى سُمِّيَ أمرًا، وإن كان من مساوٍ لمساوٍ سُمِّيَ التماسًا، هذا التقسيم حادث.
أمر مع استعلا وعكسه دعا ... وفي التساوي والتماس وقعا
(1) نطق بالتفخيم.