الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في ضمن أبواب كتاب التوحيد (باب ما جاء في الإقسام على الله) هذا هو الباب الرابع والستون (باب ما جاء في الإقسام على الله) .
مناسبةُ الباب لـ (( كتاب التوحيد ) )أن الإقسام الذي هو الحلف أن الإقسام على الله تعالى إذا كان على وجه الْحَجْرِ على الله والقطع بحصول المقسِم عليه وهو التألي منافٍ للتوحيد لأنه من سوء الأدب مع الله تعالى وسوء الظن به، وكذلك فيه تنقصٍ لحقه جل وعلا، لَمَّا كان كذلك ناسب أن يذكر المصنف ما يتعلّق به شيء هو موجودٌ بين الخلق وهو الحلف على الله تعالى على وجه القطع والحجر على الله تعالى لما كان كذلك وكان منافٍ للتوحيد ناسب أن يعقد هذا الباب لبيان ما يتعلق به، ثم هو قد يكون شركًا أصغر وقد يكون مخرجًا من الملة فقوله: (ما جاء في الإقسام على الله) أي في ذكر الأدلة على تحريم الحلف على الله على وجه التألي على الله تعالى كما جاء في النص ( «من ذا الذي يتألى عليّ» ) من ذا الذي يحلفُ عليّ أن أفعل شيئًا قد لا يريده الله تعالى فعله أو أن لا يفعل شيئًا ويريد الله تعالى فعله، فحينئذٍ يكون فيه من التنقص بالله تعالى وأن من هو من المخلوقين من هو يتصرف في الله تعالى فيحلف عليه أن يفعل شيئًا لا يريد الله تعالى فعله أو بالعكس، ولا شك أن هذا قد يوصل الشخص إلى المروق من الإسلام. (باب ما جاء في الإقسام على الله) أي بذكر الأدلة الدالة على تحريم الحلف على الله على وجه التألي على الله تعالى.
والإقسام مصدر أَقْسَمَ يُقْسِمُ من باب أَفْعَلَ يُفْعِلُ إِفْعَالًا إذًا هو من باب الإفعال إذا حلف فهو بمعناه القسم والحلف واليمين، والعهد قد يستعمل بمعنى اليمين كل هذه ألفاظٌ من حيث المعنى مترادفة. قال تعالى: ... {وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} [الأنعام: 109] يعني حلفوا، والإقسام على الله هو الحلف على الله أن يفعل أو أن لا يفعل، المحظور فيه ماذا؟ أنه إذا كان على وجه التألي كما سيأتي، ووجهه أنه قد يحلف على الله تعالى أن يفعل شيئًا ولا يشاءه الله تعالى، أو بالعكس، والإقسام على الله تعالى هو الحلف على الله أن يفعل أو أن لا يفعل، وهو أقسامٌ:
-منه الممنوع.
-منه الجائز.
الأول: أن يُقْسِمَ بما جاء به الشرع نفيًا أو إثباتًا هذا جائزٌ، فالنفي كقوله: والله لا يغفر الله لمن أشرك به ومات على ذلك، هل هذا جائز أم لا؟ جائزٌ، إقسامٌ على الله؟ نعم، إقسامٌ على الله لكنه جاء به الشرع جاء في النفي، والله لا يغفر الله لمن مات وهو على الشرك، هذا قسمٌ على الله تعالى وهو جائزٌ لأنه جاء به الشرع.
والإثبات كقوله: والله لَيُشَفِّعَنَّ الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - في الخلق يوم القيامة، هذا إثبات، فإذا كان كذلك حينئذٍ نقول: الحلف على الله تعالى بما جاء به الشرع نفيًا أو إثباتًا هو جائزٌ، هذا من حيث الحلف، أما مع اعتقاد ما دل عليه لا شك في وجوبه كون الله تعالى لا يغفر لمن أشرك به اعتقاده واجب، لكن البحث في ماذا؟ إذا أقسم بذلك، قال: والله هذا الذي هو محل الجواز، أما كونه يعتقد أن الله تعالى لا يغفر لمن أشرك به هذا لا بد منه، وكذلك اعتقاد أن الله تعالى يُشَفِّعُ نبيه - صلى الله عليه وسلم - على الوجه المذكور في السنة كذلك اعتقاده واجب، ولكن القسم بذلك والنطق به هو الذي يكون جائزًا. هذا النوع الأول.
النوع الثاني: أن يُقسم على جهة حُسن الظن بالله تعالى لقوة رجائه بربه، قَوِيَ رجائه بربه فأقسم، هذا جائزٌ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» أبره بمعنى ماذا؟ يعني استجاب له حلف على شيء فأبره، والله لا يفعل كذا، فلا يكون، هذا إن كان من رجلٍ صالحٍ ولذلك قال: «إن من عباد الله» هذا تزكيةٌ له حينئذٍ يكون جائزًا، وهذا إقرارٌ دالٌ على جوازه.