الثالث: وهو التَّأَلِّي الذي عقد المصنف الباب له وساق الأدلة على تحريمه كما سيأتي، ويكون الحامل له هو الإعجاب بنفسه، وتَحَجُّرُ فضل الله تعالى وسوء ظَنٍّ به كما قال هنا: والله لا يغفر الله لفلان، قاله لعاصٍ، العاصي هذا إن مات على ما هو عليه فهو تحت المشيئة كون الله تعالى لا يغفر له يغفر له ليس من شأنك، فإذا قاله على جهة الإعجاب بالنفس حينئذٍ يكون هذا سوء ظن بالله تعالى ويكون محرمًا وهو التَّأَلِّي.
ذكر المصنف تحت الترجمة حديثًا أو حديثين لأنه ذكره بروايتين فلك أن تعتبر الروايتين، ذكر الأول عن جندب، والثاني عن أبي هريرة، فإن اعتبرت اختلاف الصحابي فهما حديثان، وإن لم تعتبر وكان المتن واحدًا فهو حديث واحد، باعتبار المتن هو حديثٌ واحد، لكن باعتبار ذكر الصحابي وهذا الذي عليه أهل الحديث أن العبرة في عَدَّ الأحاديث بمن؟ بالصحابي، ولو كان المتن واحدًا، ولك الاختيار.
قال: (باب ما جاء في الإقسام على الله عن جندب) جندُب جندَب بضم الدال أو فتحها (عن جندب بن عبد الله رضي الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل: من ذا الذي يَتَأَلَّى عليَّ» ) من الذي يحلف عليَّ ( «أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطتُ عملك» . رواه مسلم) . كذلك في حديث (وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد، قال أبو هريرة: تكلم بكلمة أوبقت) يعني أهلكت (دنياه وآخرته) قوله هنا: ( «قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان» ) ، (قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «قال رجل» ) من هذا الرجل؟ جاء مبهمًا، فإذا جاء مبهم فحينئذٍ إذا أبهمه الشرع فلا فائدة في البحث عنه، هذا الحديث ظاهرٌ في قطعه بأن الله تعالى لا يغفر لذلك الرجل. قوله: ... ( «والله لا يغفر الله لفلان» ) قطع أو لا؟ قطع، ظاهر الكلام هنا أنه قطع وجزم بذلك، ولذلك صار ماذا؟ صار تأليًّا بمعنى أنه حكم على الله تعالى ثُمّ أكد ذلك باليمين يعني اليمين من باب التوكيد، فحكم على الله تعالى أن لا يغفر، ثم أكده باليمين، دل ذلك على أنه قد قطع بهذه الجملة هذا ظاهر في قطعه بأن الله لا يغفر لذلك الرجل، وكأنه حكم على الله وحجر عليه، بل حكم على الله الشراح يقولون: كأنه. بل هو حكم على الله تعالى، لأن الجملة هنا نوعان:
أولًا: قوله: ( «لا يغفر الله لفلان» ) هذا خبر، ثم أكده قال: ( «والله» ) إذًا حكم وأكَّد الخبر، ومعلوم أن القسم يكون ماذا؟ يكون من المؤكدات. إذًا هو قدر زائد على الأصل، وهنا أخبر قال: ( «لا يغفر الله لفلان» ) ، ثم قال: ( «والله لا يغفر الله لفلان» ) كأنه قال: لا يغفر الله لفلان، لا يغفر الله لفلان، لا يغفر الله لفلان. هذا خبر مؤكد مكرر بثلاثة جمل، حذفت الجملة الثانية والثالثة وعُوِّضَ عنها ماذا؟ التوكيد هذا القسم الذي يُعتبر من المؤكدات. إذًا هذا حكمًا منه على الله تعالى بأن لا يغفره، وقد يريد الله تعالى أن يغفر له، بل غفر له كما جاء في النص. إذًا هذا حكمٌ على الله تعالى وحجرٌ عليه لَمَّا اعتقد بأن عنده من الكرامة والحظ والمكانة، يعني يعتقد هذا الحالف بأن له عند الله تعالى كرامة لأنه ما أصابه هذا الغرور بكونه يحلف على خالقه إلا لكونه اعتقد أن له كرامةً وحظًا ومنزلةً عند الله تعالى جعلته يتجرأ بهذه الجرأة، لِمَا اعتقد له عنده من الكرامة والحظ والمكانة وهذا لجهله بإلهية الحق وربوبيته سبحانه وتعالى، ثم فيه من اليأس من روح الله واحتقار عباد الله، وفيه إعجابٌ بالنفس ما هو ظاهرٌ، ولهذا قال ابن السعدي رحمه الله تعالى: الإقسام على الله فهو في الغالب من باب العجب بالنفس، والإدلال على الله وسوء الأدب معه، ولا يتم الإيمان حتى يسلم ممن ذلك كله إذًا هو قادحٌ في التوحيد، هذا وجهه، أنه إعجاب بالنفس وإدلالٌ على الله تعالى ومنةٌ، فلذلك كان منافيًا للتوحيد، إما من أصله، وإما من كماله الواجب كما مر معنا.