قال الصنف رحمه الله تعالى: (وفي رواية: «لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر» ) هذه الرواية عند مسلم وغيره. وفيها التصريح بالنهي عن سب الدهر ( «لا تسبوا الدهر» ) مطلقًا فيشمل النوعين اعتقد أو لم يعتقد، وكذلك معنى هذه الرواية هو ما صرح به من قوله: «وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار» يعني أن ما يجري فيه من خيرٍ وشرٍّ إنما هو بإرادة الله وتدبيره ( «لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر» ) بعلمٍ منه تعالى وحكمته لا يشاركه في ذلك غيره، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فالواجب حمده في الحالتين، وحسن الظن به سبحانه وبحمده والرجوع إليه بالتوبة والإنابة كما قال تعالى {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 168] فما أصاب الإنسان من مصائب لا ينسبها إلى غير الله تعالى، نقول: هي من عند الله تعالى، وقد تكون بسبب الإنسان.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه أن من سبّ الدهر فقد آذى الله. أي تنقصه.
وفي الحديث: تحريم سب الدهر.
وفيه وجوب الإيمان بالقضاء والقدر.
وفيه أن الدهر خلقٌ مسخر.
وفيه أن الخلق قد يُؤذون الله تعالى بالتنقص ولا يضرونه.
وفيه أن النهي عن سب الدهر تنبيهٌ بالأعلى على الأدنى وأن فيه إشارة إلى ترك سب كل شيءٍ مطلقًا من مخلوقات الله تعالى، يعني لا تسب النهار والليل، لا تسب السماء، ولا تسب الأرض، ولا تسب الحر، ولا البرد، أليس كذلك؟ ما الدليل؟ هنا تنبيه بالأعلى على الأدنى. وقال: تنبيه بالأعلى على الأدنى لأن الحكم معلل هنا. معلل ( «يؤذيني» ) ، ( «يسب الدهر» ) إذًا فيه أذية ( «أقلب الليل والنهار» ) وأن فيه إشارة إلى ترك سب كل شيءٍ مطلقًا إلا ما أذن الشرع فيه لأن العلة واحدة، ولذلك قال: ( «فإن الله هو الدهر» ) فهذا تعليل للنهي فقرن الحكم بالعلة لبيان الحكمة ولأجل أن تتعدّى العلة لغيرها فيما إذا كان المعلل حُكمًا.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فيه) - أي في الباب- مسائل:
(الأولى: النهي عن سب الدهر) . لقوله: ( «لا تسبوا» ) ، والنهي هذا عام يشمل الكراهة والتحريم، نحمله على ماذا؟ على التحريم، ما الدليل؟ الأصل أنه للتحريم. إذًا النهي عن سب الدهر لقوله: ( «لا تسبوا» ) فهو نهيٌ، والنهي هذا يقتضي أنه لا يكفر؟ يقتضي أو لا يقتضي؟ إذا قلنا: لا يقتضي إذًا الشرك # .. 1.51.23 قال: {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ} لأنه نهيٌ، إذًا النهي قد يكون شركًا أكبر، قد يكون شركًا أصغر، قد يكون معصيةً كبيرة من الكبائر أكبر الكبائر، ذنب من الذنوب .. إلى آخرته.
(الثانية: تسميته أذى لله) . لقوله: ( «يؤذيني ابن آدم» ) .
(الثالثة: التأمل في قوله: «فإن الله هو الدهر» ) .
أي مصرف الدهر ومقلبه، وليس معناه أن الله هو الدهر نفسه هذا باطل وإلا جعل المقلِّب عين المقلَّب.
(الرابعة: أنه قد يكون سابًا ولو لم يقصده بقلبه) .
هذا لا يشترط فيها المقاصد أي لكونه جعل ذلك سبًّا بمجرد القول، فما أُسْنِدَ إلى الفعل، لا يُشترط فيه الاعتقاد، وما أُسْنِدَ إلى القول لا يُشترط فهي الاعتقاد واضح.