الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في ضمن أبواب (( كتاب التوحيد ) ): (باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه) .
هذا هو الباب السادس والأربعون (باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه) .
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: فيه بيان أن التَّسَمِّي باسم فيه مشاركةٌ لله تعالى في التعظيم شركٌ في الربوبية، ولذلك هذا الباب والباب الذي يليه ... (باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك) متقاربان، ولذلك جمع بينهما ابن السعدي رحمه الله تعالى فقال: هاتان التَّرْجُمَتان من فروع الباب السابق، وهو أنه يجب أن لا يُجْعَلَ لله ندٌّ في النيات والأقوال والأفعال، {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا} [البقرة: 22] في القلب، وفي اللسان، وفي الفعل، فلا يُسمى أحدٌ باسم فيه نوع مشاركة لله في أسمائه وصفاته، كـ (قاضي القضاة) ، و (ملك الملوك) ونحوها، و (حاكم الحكام) ، أو بـ (أبي الحكم) ونحوه، وكل هذا حفظٌ للتوحيد ولأسماء الله وصفاته، ودفع لوسائل الشرك حتى في الألفاظ التي يُخشى أن يتدرج منها إلى أن يُظَنَّ مشاركة أحدٍ لله في شيءٍ من خصائصه وحقوقه.
إذًا هذا يعتبر من أبواب حماية حمى التوحيد أو جناب التوحيد (باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه) ، (التسمي) أي وضع الشخص لنفسه هذا الاسم الذي ذكره المصنف في التبويب ونحوه، أو أن يرضى به من غيره، حينئذٍ التسمي يشمل نوعين:
-أن يضع الاسم لنفسه، ما إذا سمى نفسه، هو الذي يسمي نفسه بقاضي القضاة، أو حاكم الحكام ونحو ذلك.
-أو سماه به غيره فرَضِيَ.
فحينئذٍ التسمي لا يُفهم منه أنه ماذا؟ أنه سمى نفسه بنفسه فحسب، فإذا سماه غيره مطلقًا حينئذٍ لا إشكال فيه، نقول: لا، لأنه إذا سماه غيره فرضي حينئذٍ الرضا كالفعل، الرضا بالشيء بفعل الغير كما لو كان صادرًا منه، ولذلك لو جلس في مجلس غيبةٍ ولم يغتب وإنما اغتاب غيره، حينئذٍ إذا رَضِي وبَقِي وجلس حينئذٍ هما سيِّان في الوزر سواء، أليس كذلك؟ هنا كذلك إذا سُمِّيَ بقاضي القضاة ولم يكن سمى نفسه، لكنه رضي حينئذٍ كما لو سمى نفسه فالوعيد يلحقه.
وأما إذا سماه به غيره فلم يرضَ حينئذٍ ليس من فعله {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ، فإذا سماه به غيره ولم يرضَ حينئذٍ نقول: لا يدخل في الوعيد لعدم الرضا ولأنه ليس من فعله بل هو من فعل غيره، إذًا الرضا باعتبار فعل الغير إن وُجِدَ أُلحق بما لو سمى نفسه، وإن لم يوجد حينئذٍ صار منفكًا، وإنما يَلحق الْمُسَمِّي، يعني إذا سماه ولم يرضَ الْمُسَمَّى حينئذٍ الإثم على الْمُسَمِّي، وأما الْمُسَمَّى فهذا لا إشكال فيه، ومن رضِي بذلك الاسم، إذًا من سَمَّى نفسه بـ (قاضي القضاة) فالوعيد يلحقه، من سماه غيره ورضي فالوعيد يلحقه، باقي صورة واحدة وهي ما إذا سماه غيره ولم يرضَ، حينئذٍ الوزر والإثم على الْمُسَمِّي، وأما الْمُسَمَّى فلا يلحقه شيء لانفكاك الفعل، {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} كما قلنا.