الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في ضمن أبواب كتاب التوحيد (باب ما جاء في المصورين) .
هذا هو الباب الحادي والستون (باب ما جاء في المصورين) .
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: لَمَّا كان التصوير وسيلةً للشرك المضاد للتوحيد ناسب أن يعقد المصنف هذا الباب لبيان تحريمه، وما ورد فيه من الوعيد الشديد، ثَمَّ علاقة بين الشرك وبين التصوير، ولذلك عقد المصنف هذا الباب لبيان الوعيد الشديد المترتب على هذا النوع، فقوله: (باب ما جاء في المصورين) أي من الوعيد الشديد، حينئذٍ ليس فيه إطلاق من المصنف رحمه الله تعالى لأن الحكم هنا غير محتمل ليس إلا التحريم، حينئذٍ (باب ما جاء في المصورين) مرّ معنا بعض التراجم التي يُطلق فيها المصنف رحمه الله تعالى من أجل التردد، لكون الحكم يحتمل الجواز ويحتمل التحريم، لكن هذا الباب النظر فيه من جهة أنه تمرين للطالب، بمعنى أنه ينظر في الأدلة المذكورة فيستنبط الحكم الشرعي وهو التحريم والوعيد الشديد، فيعلم أن هذه الترجمة خاصة، فليست مطلقةً بمعنى أن الحكم يحتمل النوعين، إذًا ... (باب ما جاء في المصورين) أي من الوعيد الشديد، وليس ثَمَّ شيءٌ آخر البتة، فالتصوير كله محرم، وكله مشدد فيه كما يأتي في الأحاديث الواردة.
(باب ما جاء في المصورين) أي من الوعيد الشديد للمضاهاة في خلق الله تعالى لأن علة التحريم هنا هي المضاهاة كما سيأتي في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، بل هو منشأ الوثنية كما مر معنا في أول ما نشأ الشرك في قوم نوح فدخل عليهم الشرك من هذا الباب، مات صالحون فصوروا لهم تماثيل إلى آخره، إذًا الصورة كانت هي الوسيلة التي دخل بها إبليس على هؤلاء، فالتصوير فيه خلق وإبداع يكون المصور به مضاهيًا ومشاركًا لله تعالى في ذلك الخلق والإبداع، ولا يُشترط فيه القصد، لأن الحكم إذا عُلِّقَ بعلة حينئذٍ يوجد الحكم بوجود العلة ولو لم يقصد، [ومتى ما كان] فمتى ما وُجِدَ التصوير وُجِدَ التحريم، وكذلك وُجِدَت المضاهاة يعني المشابهة بخلق الله تعالى، هل قصد أو لم يقصد؟ نقول: لا عبرة بالقصد البتة كما هو الشأن في مشابهة أهل الكفر «من تشبه بقومٍ فهو منهم» حينئذٍ متى ما وُجِدَت المشابهة فثَمَّ الحكم، هذا قَصَدَ أو لم يقصد نقول: لا عبرة بالمقاصد البتة، بل ولو لم يقصد فالحكم ثابت، كذلك كل مصور حينئذٍ نقول: هو مضاهٍ بفعله ومُدَّعٍ للمشاركة مع الله تعالى في الخلق والإبداع والتكوين والإيجاد والخلق، قصد أو لم يقصد، نقول: الحكم يُعتبر واحدًا.
وقوله: (المصورين) جمع مصور وهو فاعل الصورة، يعني فاعل التصوير صَوَّرَ يُصَوِّرُ فهو مُصَوِّر حينئذٍ هو فاعل التصوير، والتصوير مشتق من الصورة، قال في (( القاموس ) ): الصورة بالضم الشكل. معرفة الصورة التي عُلِّقَ بها الحكم الشرعي مرده إلى اللغة، يعني ليس ثَمَّ حقيقة شرعية تدل على أن المراد بالصورة كذا وكذا، حينئذٍ كل ما سُمِّيَ صورةً فالحكم داخل في الوعيد الشديد الآتي من الأحاديث، فالصُّورة في اللغة صُورة بضم الصاد الشكل يُجمع على صُور وصِوَر كعِنَبِ، وقد صَوَّرَهُ فتَصَوَّر هذا المشهور في لسان العرب، ومر معنا تفصيل هذه المسألة فيما يتعلق بالتصوير الفوتوغرافي وأنواع ذلك في (( شرح الزاد المطول ) )ولن نُعَرِّجَ عليه هنا، لكن المراد هنا أن التصوير المراد به فعل الفاعل الذي هو ماذا؟ الذي هو إحداث الشكل الذي يكون مماثلًا للحيوان، بمعنى أنه يفعل فعلًا يكون نتيجته أنه ذا روحٍ، ولذلك معنى الصورة هي الشكل، وتستعمل الصورة بمعنى النوع والصفة.
إذًا التصوير نقول: هذا المراد به فِعْل التصوير الذي هو المعنى المصدري كالتلفظ المراد به فعل اللفظ وإخراجه وكذلك الذي معنا.