الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في ضمن أبواب كتاب التوحيد (باب ما جاء في كثرة الحلف) .
هذا هو الباب الثاني والستون (باب ما جاء في كثرة الحلف) .
مناسبة الباب لـ (( كتاب التوحيد ) ): أن من كمال التوحيد احترام اسم الله تعالى وعدم امتهانه في كثرة الحلف، لأن ذلك يدل على الاستخفاف به وعدم التعظيم له، لأن ذلك يدل على الاستخفاف به، يعني باسم الله تعالى وعدم التعظيم له، فناسب أن يذكر المصنف رحمه الله تعالى ما يدل على أن كثرة استعمال اسم الله تعالى في الحلف أنه مُخِلٌّ بالتوحيد وقَدْح في التوحيد ونقص في التوحيد، فمن تمام هذا التعظيم لله تعالى ولأسمائه جل وعلا أن يَحْتَرِمُ اسمه عن كثرة الحلف، فالكذب وكثرة الحلف هذه تنافي التعظيم الذي هو ورح التوحيد.
قوله: (باب ما جاء في كثرة الحلف) أي من النهي عنه والوعيد لفاعليه، فعرفنا فيما سبق أن الترجمة التي يُعنون لها بقوله: (ما جاء في كثرة الحلف) . قد يأتي بها ويراد بها أحد الوجهين، ويكون أحد الوجهين مباحًا والآخر ممنوعًا، حينئذٍ يُكون النظر في الأدلة، وقد يكون في الباب ليس ثَمَّ إلا قولًا واحدًا، حينئذٍ يكون المراد به تمرين الطلاب على استنباط الحكم الشرعي من الأدلة، فقوله: (ما جاء في كثرة الحلف) . (ما جاء) يعني من الأدلة الدالة على النهي عنه والوعيد لفاعليه، و (الْحَلِف) بفتح الحاء وكسر اللام اليمين والقسم، ومرّ معنا أن الحلف واليمين والقسم وهي بمعنى واحد أنه تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّم بصيغة مخصوصة، الصيغة المخصوصة هذه أن يأتي بأحد حروف القسم إما:
(الباء، وإما الواو، وإما التاء) .
فليس ثَمَّ ما يُقسم به إلا هذه الثلاث الأحرف التي هي حروف جرّ، وهي حروف قسم، إذًا تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّمٍ وهو الله تعالى، والحلف يُعَرَّفُ من حيث العموم، فيدخل فيه الحلف بالله تعالى والحلف بغيره، وإذا حلف بالله تعالى حينئذٍ الله تعالى هو المعظم عنده، وإذا حلف بقبرٍ مثلًا حينئذٍ يكون هذا القبر هو المُعَظَّم عنده، لذلك تأتي عبارة الفقهاء في التعميم هنا، فيقال بأنه تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّم، هذا المُعَظَّم يختلف بحسب الحالف وإن كان الحق أنه لا يُحْلَفُ إلا بالله تعالى، والله تعالى يُقْسِمُ بما شاء من مخلوقاته، وأما المخلوق فلا يقسم إلا بالله تعالى، ولكن يذكر على جهة العموم من أجل بيان نوعه، فهو تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّمٍ بصيغة مخصوصة بأحد أحرف القسم وهي (الباء، والواو، والتاء) .