فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 2014

* ذكر كلام ابن القيم رحمه الله في حديث أنس رضى الله عنه.

* مسائل الباب ودليل كل واحدة منها.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد.

قد سبق الكلام عن أوائل الباب الثاني وهو (باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب) وذكرنا ما يتعلق بالآية وهو قوله جل وعلا ( {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} ) ، وكذلك ذكر المصنف أربعة أحاديث: حديث عبادة بن الصامت، وحديث عتبان، وحديث أبي سعيد، وحديث أنس رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

وذكرنا ما يتعلق بالحديثين الثالث والرابع في الدرس الماضي، وبقي ما يتعلق بالحديث حديث أنس رأي للإمام بن القيم رحمه الله تعالى حيث ذكره في (( مدارج السالكين ) )وفيه بعض الفوائد التي قد لم نتعرض لها، وإن كان في بعض المسائل تحتاج إلى وقفة أو إلى دراسة لهذا القول من أصله.

قال رحمه الله تعالى في حديث أنس وهو قول الله تعالى: ( «يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة» ) وعلمنا أن ( «لو» ) هنا بمنزلة (إن) الشرطية كما سبق، وإن كان هو قليلًا في لسان العرب إلا أنه فصيح وقد جاء في القرآن، ... وهذا الحديث منه، ولكن ظاهر كلام ابن القيم رحمه الله تعالى فيما يأتي أن ( «لو» ) هنا على بابها يعنى امتناعية وهذا كما ذكرنا حينئذ يمتنع الجواب لامتناع الشرط.

قال رحمه الله تعالى: (قوله: «لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، أَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» ) .

قال رحمه الله تعالى: (يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا فَذُنُوبُهُ مَغْفُورَةٌ كَائِنَةً مَا كَانَتْ) هذا ظاهر النص، ولذلك قال: (يَدُلُّ) الدلالة هنا واضحة بينه وهي دلالة مطابقة لقوله: ( «لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا» ) فنفي الشرك هنا دل عليه النص بدلالة المطابقة، يعنى ليس مأخوذًا بالالتزام ولا التضمن، ولذلك سلَّم رحمه الله تعالى أن هذا الحديث (يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا فَذُنُوبُهُ مَغْفُورَةٌ كَائِنَةً مَا كَانَتْ) . لكن ابن القيم رحمه الله تعالى لا يرى أن من لم يشرك به بالله عز وجل شيئًا أن يكون له ثَمَّ ذنوب كثيرة، بل يرى أنه يستحيل أن ينتفي عنه الشرك بحاذفيره، ومع ذلك توجد عنده معاصي أو يكون مصرًّا على معاصي، مع كون الحديث كما ذكره أولًا أن الحديث (يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا فَذُنُوبُهُ مَغْفُورَةٌ) . إذًا يجتمع الأمران: لا يشرك بالله شيئًا، ثم بعد ذلك تكون عنده ذنوب، ثم عدم شركه بالله تعالى شيئًا حسنة أتى بها فغفرت تلك الذنوب.

ابن القيم له وجه نظر أخرى نذكرها من باب تتميم الفائدة للحديث.

ثم قال رحمه الله تعالى: (وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ ارْتِبَاطُ إِيمَانِ الْقُلُوبِ بِأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ) هذه تقدمة وتوطئة لِمَا سيذكره (يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ ارْتِبَاطُ إِيمَانِ الْقُلُوبِ بِأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ) ، ومعلوم عند أهل السنة والجماعة التلازم بين الأمرين، يعني لا ينفك أحدهما عن الآخر، ارتباط أعمال القلوب بأعمال الجوارح، لا بد من أن يكون بينهما ارتباط، ما نوع هذا الارتباط؟

نقول: إذا وُجِدَ الباطن أعمال القلوب على الوجه الشرعي الصحيح لَزِمَ منه وجود أعمال الجوارح المطابقة لهذه الأعمال القلبية، فإن ادَّعَى مُدَّعٍ وجود هذه الأعمال القلبية دون الظاهر حينئذ نقول: كذب في دعواه. وقد توجد الأعمال الظاهرة الجوارح ويكون خاليًا قلبه من الأعمال التي عَبَّرَ عنها بـ (إِيمَانِ الْقُلُوبِ) ، وهذا شأن المنافق أنه في الظاهر يبدي أنه موافق للإسلام أو للصالحين ونحو ذلك، ولكنه في الباطن هو خالٍ عن ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت