فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 2014

إذًا (ارْتِبَاطُ إِيمَانِ الْقُلُوبِ بِأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ) عند أهل السنة والجماعة العلاقة بينهما التلازم، لا يوجد أحدهما دون الآخر البتة، إن وُجِدَ الظاهر قد ينفك عنه الباطن نعم ولكن الظاهر يكون كاسمه ظاهرًا ولا يسمى عبادة إلا باعتبار ظن صاحبه كما مرَّ معنا مرارًا، وإن وجد الباطن حينئذ لا بد وأن يوجد الظاهر، وأما دعوى وجود الباطن دون الظاهر نقول: هذه دعوى باطلة وليست مقبولة.

(وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ ارْتِبَاطُ إِيمَانِ الْقُلُوبِ بِأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، وَتَعَلُّقُهَا بِهَا) يعنى العلاقة بينهما، (وَإِلَّا لَمْ يُفْهَمْ مُرَادُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَقَعُ الْخَلْطُ وَالتَّخْبِيطُ. فَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا النَّفْيَ الْعَامَّ لِلشِّرْكِ) في النص ( «لا تشرك بي شيئًا» ) نفي عام قلنا: هذا من صيغ العموم ( «تشرك» ) مصدر ودخل عليه النفي فحينئذ عم كل أنواع الشرك الظاهر والباطن الأكبر والأصغر والخفي - إن قلنا به وجعلناه مفردًا عن الأكبر والأصغر - (أَنَّ هَذَا النَّفْيَ الْعَامَّ لِلشِّرْكِ - أَنْ لَا يُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا الْبَتَّةَ - لَا يَصْدُرُ مِنْ مُصِرٍّ عَلَى مَعْصِيَةٍ أَبَدًا، وَلَا يُمْكِنُ مُدْمِنُ الْكَبِيرَةِ وَالْمُصِرُّ عَلَى الصَّغِيرَةِ أَنْ يَصْفُوَ لَهُ التَّوْحِيدُ، حَتَّى لَا يُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمُحَالِ) من أعظم المحال عنده رحمه الله تعالى أن لا يأتي بالشرك البتة من حاذفيره يُنْفَى عنه ثم بعد ذلك يدمن على كبيرة أو أنه يصر على صغيرة، وسيفسر ذلك رحمه الله تعالى: (هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمُحَالِ، وَلا يُلْتَفَتُ إِلَى جَدَلِيٍّ لا حَظَّ لَهُ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، بَلْ قَلْبُهُ كَالْحَجَرِ أَوْ أَقْسَى، يَقُولُ: وَمَا الْمَانِعُ؟) ما المانع ألا يشرك بالله شيئًا وتقع منه ذنوب؟ سماه جَدَلِيًّا، ومنعه من أن يكون له حظ من أعمال القلوب (وَمَا وَجْهُ الْإِحَالَةِ؟ وَلَوْ فُرِضَ ذَلِكَ وَاقِعًا لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ لِذَاتِهِ!) .

إذًا تصور رحمه الله تعالى أن ثَمَّ من يجادله في هذه القضية وهو أن من نُفِيَ عنه الشرك لا يمكن أن يكون مُدْمِنًا على كبيرة أو مُصِرًّا على صغيرة، وأعتقد أن هذا من المحال أن يُجْمَعَ بينهما (فَدَعْ هَذَا الْقَلْبَ الْمَفْتُونَ بِجَدَلِهِ وَجَهْلِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ يُوجِبُ مِنْ خَوْفِ الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ) أراد أن يبين لماذا مَنْ لَمْ يقع في الشرك بحاذفيره يمتنع أن يقع في معصية، ما وجه التوافق بينهما. قال: (وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ يُوجِبُ مِنْ خَوْفِ الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ، وَرَجَائِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَحُبِّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَذُلِّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَتَوَكُّلِهِ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ مَا يَصِيرُ بِهِ مُنْغَمِسًا فِي بِحَارِ الشِّرْكِ) . إذًا إيمان القلوب وعلاقته بأعمال الجوارح أن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى يرى أنه كلما نقص من أعمال القلوب من الخوف والمحبة والرجاء حينئذ كما ذكرناه سابقًا لا بد أن يتعلق بغير الله عز وجل، حينئذ هل هذا التعلق يُوصف مطلقًا بكونه شركًا أو لا، ظاهر كلامه أنه يعتبره شركًا، واعتباره ذلك شركًا يأتي من وجه أنه من جنس الشرك، ولذلك سيأتي في (باب تحقيق التوحيد) [1] أن منهم من يرى - وهذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وابن القيم - أن المعاصي كلها تُعتبر من الشرك، كل المعاصي كبيرها وصغيرها، ولكن يُعبر عن ما جاء النص فيه بأنه شرك أكبر أو أصغر بأنه شرك أكبر أو أصغر، يعنى لا يتجاوز النص، وما لم يكن كذلك فلورود هذه التعلقات بغير الله عز وجل حينئذ يُعبر عنه بأنه من جنس الشرك وليس بشرك، يعنى لا يُجعل في مصاف المشركين بالله عز وجل سواء إن كان شركًا أكبر أو أصغر، وإنما يُطلق عليه بأنه قد أشرك بالمفهوم العام، حينئذ نقول: الشرك له مفهومان:

-مفهوم عام.

-ومفهوم خاص.

(1) الباب اسمه (باب من حقق التوحيد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت