المفهوم الخاص الذي يمر معنا مرارًا شرك أكبر وشرك أصغر، وهو اتخاذ الند مع الله عز وجل، والشرك الأصغر كيسير الرياء والحلف بغير الله ونحو ذلك.
وأما الشرك بالمفهوم العام فيشمل هذين النوعين ويزيد عليهما بالمعاصي مطلقًا سواء كانت كبيرة أو صغيرة، ويعبر عنه بأنه من جنس الشرك.
{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23] والمعتمد هو هذه الآية وسيأتي بحثها إن شاء الله تعالى في محله. ولكن نحتاج إلى أن إطلاق هذا اللفظ جنس الشرك على مثل هذه المعاصي كالزنا وشرب الخمر ونحوها يحتاج إلى النص.
قال رحمه الله تعالى: (وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ يُوجِبُ مِنْ خَوْفِ الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ، وَرَجَائِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَحُبِّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَذُلِّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَتَوَكُّلِهِ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ مَا يَصِيرُ بِهِ مُنْغَمِسًا فِي بِحَارِ الشِّرْكِ) . قد يكون شركًا أكبر إذا تعلق بغير الله وتوكل على غير الله، وقد يكون شركًا أصغر، وقد يكون من إتباع الهوى الذي ليس بشرك أكبر ولا أصغر ولكنه داخل في جنس الشرك، وهذا كما ذكرناه يحتاج إلى نص. ... (وَالْحَاكِمُ فِي هَذَا مَا يَعْلَمُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ، إِنْ كَانَ لَهُ عَقْلٌ، فَإِنَّ ذُلَّ الْمَعْصِيَةِ لا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِالْقَلْبِ فَيُورِثَهُ خَوْفًا مِنْ غَيْرِ اللَّهِ) إذًا الخوف من غير الله عز وجل إمَّا أنه شرك أكبر، إمّا أنه شرك أصغر، إما انه من جنس الشرك. وإذًا لم يخرج الخوف من غير الله عز وجل عن وصفه بأنه شرك. ولذلك قال: الذي لا يشرك بالله شيئًا لا يمكن أن يقع أو يصرّ في المعاصي. (فَإِنَّ ذُلَّ الْمَعْصِيَةِ لا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِالْقَلْبِ فَيُورِثَهُ خَوْفًا مِنْ غَيْرِ اللَّهِ، وَذَلِكَ شِرْكٌ) يعنى بالمفهوم الأعم، (وَيُورِثُهُ مَحَبَّةً لِغَيْرِ اللَّهِ، وَاسْتِعَانَةً بِغَيْرِهِ فِي الْأَسْبَابِ الَّتِي تُوصِلُهُ إِلَى غَرَضِهِ، فَيَكُونُ عَمَلُهُ لَا بِاللَّهِ وَلَا لِلَّهِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الشِّرْكِ.
حقيقة الشرك لكن لا بد من التفصيل أنه قد يكون تعلق بالأسباب شركًا أكبر، وقد يكون شركًا أصغر، وعلى رأيه رحمه الله تعالى يكون من جنس الشرك الذي هو معصية ويُسمَّى كبيرة ولكنه ليس داخلًا في مسمى الشرك الذي هو حقيقة شرعية وجاء الشرع بها، لأن الشرع كما ترى في القرآن من أوله إلى آخره، وكذلك السنة النبوية ما جاء فيها لفظ الشرك سَمّى أو أطلق لفظ الشرك وأراد به صورة معينة، حينئذ من باب البحث - أقول هذا بحثًا - من باب البحث نحتاج إطلاق لفظ الشرك على الزنا مثلًا أو على اللواط أو على شرب الخمر، إن جاء في الشرع حينئذ يُوَجّه هذا الكلام بأن الشرع أراد بإطلاق الشرك على الزنا مثلًا أنه من جنسه لأن فيه تعلقًا بغير الله عز وجل، وحينئذ صار من جنس الشرك وإن لم يكن مشركًا شركًا أكبر ولا أصغر. وأما إذا لم يرد حينئذ نقول: ما دام أن الشرع فَصَّل بين الكبائر والصغائر، وسُمِي هذا شركًا أكبر، وهذا شركًا أصغر، وهذا كفرًا أكبر وهذا كفر دون كفر .. إلى آخره والظلم والفسق ونحو ذلك حينئذ يُوضع كل لفظ شرعي في موضعه الشرعي.
وأما الآية التي يعتمدها ابن تيمية وغيره هذه يأتي بحثها في نقل كلام أهل العلم.
ثم قال رحمه الله تعالى: (وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، مُصِرًّا عَلَيْهَا، غَيْرَ تَائِبٍ مِنْهَا) وهذا يرد عليه (( حديث البطاقة ) )، أنه ورد فيه تسعة وتسعون سجلًا، وطاشت هذه السجلات التسعة والتسعين بالبطاقة التي فيها لا إله إلا الله، فثَقُلَ بها الميزان وطاشت بها هذه السجلات التسعة والتسعون، حينئذ يرد السؤال: هل لقي الله عز وجل بالتوحيد خالص ومعه ذنوب أو لا؟