فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 2014

(أَنَّ مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، مُصِرًّا عَلَيْهَا، غَيْرَ تَائِبٍ مِنْهَا، مَعَ كَمَالِ تَوْحِيدِهِ الَّذِي هُوَ غَايَةُ الْحُبِّ وَالْخُضُوعِ) نعم من حقق التوحيد فلا يمكن أن يصر على معصية، وهذا الذي عقد له المصنف رحمه الله تعالى الباب الثالث (باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب) أي ولا عذاب. وأما التوحيد الذي هو مطلق التوحيد الذي قد يكون بدرجة المقتصدين أو الظالم لنفسه كما سبق أن آية فاطر اشتملت على ثلاثة أصناف {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} [فاطر: 32] المصنف رحمه الله تعالى أراد بهذا الباب، وهذا نسبق الحدث أراد بهذا الباب الظالم لنفسه (باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب) أراد به من ظلم نفسه، ولذلك هو موحد أو لا؟ نقول: موحد {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} إذًا هو مصطفى ولا يكون اصطفاء إلا للموحد، فدل ذلك على أنه أتى بالتوحيد على الوجه الصحيح، لكن بقي ماذا؟ ظلم نفسه بما دون الشرك وهذا إذا قيل بأنه شرك .. إلى آخره فالتسمية هذه تحتاج إلى وقفة.

(يَسْتَحِيلُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، مُصِرًّا عَلَيْهَا، غَيْرَ تَائِبٍ مِنْهَا، مَعَ كَمَالِ تَوْحِيدِهِ) نعم، نقول: من كمل توحيده الذي يُعتبر في الدرجة الثالثة من آية فاطر {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} والدرجة الثانية وهم المقتصدون، وهو ما عنون له المصنف رحمه الله تعالى بـ (باب من حقق التوحيد) ، وأمَّا الباب الذي معنا هذا فالمراد به الظالم لنفسه، والظالم لنفسه معه توحيد ومعه ذنوب ولا شك في ذلك (مَعَ كَمَالِ تَوْحِيدِهِ الَّذِي هُوَ غَايَةُ الْحُبِّ وَالْخُضُوعِ، وَالذُّلِّ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ لِلرَّبِّ تَعَالَى) .

وقال أيضًا: (وَلِهَذَا مَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ أَفْلَحَ وَلَمْ يُعَذَّبْ، وَوُهِبَتْ لَهُ سَيِّئَاتُهُ لِأَجْلِ حَسَنَاتِهِ، وَلِأَجْلِ هَذَا يُغْفَرُ لِصَاحِبِ التَّوْحِيدِ مَا لا يُغْفَرُ لِصَاحِبِ الْإِشْرَاكِ، لِأَنَّهُ قَدْ قَامَ بِهِ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ مَا اقْتَضَى أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَيُسَامِحَهُ مَا لا يُسَامِحُ بِهِ الْمُشْرِكَ) .

ثم قال: (وَكَلّمَا كَانَ تَوْحِيدُ الْعَبْدِ أَعْظَمَ، كَانَتْ مَغْفِرَةُ اللَّهِ لَهُ أَتَمَّ، فَمَنْ لَقِيَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا الْبَتَّةَ غَفَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ كُلَّهَا، كَائِنَةً مَا كَانَتْ، وَلَمْ يُعَذِّبْ بِهَا) . وهذا قد يعارض الكلام السابق الذي قد نقلناه عنه.

ثم قال: (وَلَسْنَا نَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَدْخُلُ بِذُنُوبِهِ، وَيُعَذَّبُ عَلَى مِقْدَارِ جُرْمِهِ، ثُمَّ يُخْرَجُ مِنْهَا، وَلا تَنَافِيَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ لِمَنْ أَحَاطَ عِلْمًا بِمَا قَدَّمْنَاهُ) يعنى هذه الدرجة التي يمكن أن تكون معه أو يمكن أن يكون معه ذنوب هو الذي عناه بالكلام المتأخر، وإلا لو نظرنا إليه من حيث الإطلاق لعارض الكلام السابق، (وَلا تَنَافِيَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ لِمَنْ أَحَاطَ عِلْمًا بِمَا قَدَّمْنَاهُ) .

ثم قال: (التَّوْحِيدُ يَتَضَمَّنُ - مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ، وَالْخُضُوعِ لَهُ، وَالذُّلِّ لَهُ، وَكَمَالِ الِانْقِيَادِ لِطَاعَتِهِ، وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ، وَإِرَادَةِ وَجْهِهِ الأَعْلَى بِجَمِيعِ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ، وَالْمَنْعِ، وَالْعَطَاءِ، وَالْحُبِّ، وَالْبُغْضِ - مَا يَحُولُ بَيْنَ صَاحِبِهِ وَبَيْنَ الْأَسْبَابِ الدَّاعِيَةِ إِلَى الْمَعَاصِي، وَالْإِصْرَارِ عَلَيْهَا، وَمَنْ عَرَفَ هَذَا عَرَفَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» ) حديث عتبان السابق معنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت