وابن القيم هنا يرى أن الحديث على ظاهره، ولكن القول الذي عُلِّقَ عليه الحكم المراد به القول التام الذي يستلزم المعنى التام. حينئذ من قال: لا إله إلا الله حُرِّمَ وجهه على النار، قال هذا على ظاهره لماذا؟ لأنه لا يتصور أن يقول: لا إله إلا الله، ويترتب عليه هذا الثواب إلا وقد أتى بإيمان القلوب أعلى الدرجات، وإذا كان كذلك حينئذ لا يمكن أن يتصور أن يقع منه معصية، ولذلك قال بعد ما ذكر من أعمال القلوب مَا يَحُولُ بَيْنَ صَاحِبِهِ وَبَيْنَ الْأَسْبَابِ الدَّاعِيَةِ إِلَى الْمَعَاصِي، وَالْإِصْرَارِ عَلَيْهَا). إذا لا يقع منه ذنب البتة (وَمَنْ عَرَفَ هَذَا عَرَفَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» ) .
(وَقَوْلَهُ: «لا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» . وَمَا جَاءَ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَشْكَلَتْ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى ظَنَّهَا بَعْضُهُمْ مَنْسُوخَةً، وَظَنَّهَا بَعْضُهُمْ قِيلَتْ قَبْلَ وُرُودِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَاسْتِقْرَارِ الشَّرْعِ، وَحَمَلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى نَارِ الْمُشْرِكِينَ وَالْكُفَّارِ، وَأَوَّلَ بَعْضُهُمُ الدُّخُولَ بِالْخُلُودِ، وَقَالَ: الْمَعْنَى لَا يَدْخُلُهَا خَالِدًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ الْمُسْتَكْرَهَةِ) .
إذًا كثير من أهل العلم أشكل عليهم ظاهر هذه النصوص، وهل هذا الإشكال في محله أو لا؟
نقول: إذا نظرنا إلى مطلق القول الإشكال في محله، لأنه كما في حديث عبادة أنه رتب دخول الجنة على من شهد أن لا إله إلا الله، وجاء بالحديث: «من قال لا إله إلا الله فإن الله حرم وجه على النار» . إذا علَّقه على القول، حينئذ بظاهره نقول: بظاهره لو نظرنا إلى اللفظ نفسه دون نظر إلى الأحاديث الأخرى المقيِّدة قد يقال بأنه يكفي أو تكفي الكلمة لدخول الجنة، لكن ليس هذا مرادًا لأننا علمنا أن الكلمة لا تكفي ليس من ذات دلالة اللفظ فحسب، وإنما بمجموع النصوص بعضها مع بعض علمنا أن لا إله إلا الله ليست مطلق كلمة هكذا، وإنما هي كلمة لها معنى، وشرحها الرب جل وعلا في كتابه، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولها شروط ولها مقتضيات ولها موانع ولها نواقض ولها كل ما يدل على تثبيتها وعدم إبطالها يعنى مما جاء في النواقض عدم إبطالها من أصلها أو كمالها الواجب، كل هذا مأخوذ من عموم النصوص وليس من نص واحد، حينئذ نقول: في ظاهر النصوص الإشكال في محله، ولذلك التبس على بعض كبار التابعين كقتادة والحسن والإمام البخاري له قول في ذلك والأوزاعي والزهري، وهذه الأقوال المذكورة كلها منسوبة إليهم، حينئذ نقول: الإشكال في محله لأننا لو وقفنا مع اللفظ نفسه نقول: لكفت الكلمة. وليس الأمر كذلك، حينئذ نقول: هذه الأحاديث مطلقة ولكنها مقيدة بأحاديث أخرى دلت على أن هذه الكلمة لها شروط ولها موانع.
ثم قال: (وَالشَّارِعُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ حَاصِلًا بِمُجَرَّدِ قَوْلِ اللِّسَانِ فَقَطْ) نعم بمجموع النصوص علمنا أن مراده مراد النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة: ( «من شهد» ) ، أو في حديث عتبان ( «من قال: لا إله إلا الله» ) ليس مجرد القول، وليس من ذات اللفظ فحسب، (وَالشَّارِعُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ حَاصِلًا بِمُجَرَّدِ قَوْلِ اللِّسَانِ فَقَطْ، فَإِنَّ هَذَا خِلَافُ الْمَعْلُومِ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ يَقُولُونَهَا بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَهُمْ تَحْتَ الْجَاحِدِينَ لَهَا فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) . إذًا بالنظر بنص آخر علمنا أن المنافقين لم تكفهم هذه الكلمة، ليس من ذات النص هل هو من حديث عبادة؟ هل هو من حديث عتبان؟