قال رحمه الله تعالى: (فمستقل ومستكثر) أي من الاعتراض أقلل أو استكثر، قل ما شئت وسيترتب عليه ما ترتب، (فمستقل ومستكثر) يعني منهم مستقل من الناس، و (مستقل) مبتدأ لخبرٍ محذوف، أي فمنهم من الناس (مستقل) ، ومنهم (مستكثر) ، {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: 105] . هذا مثله، منهم شقي ومنهم سعيد، والاسم منه معربٌ ومبني، يعني منه مبني، هكذا. (فمستقل ومستكثر) أي من الاعتراض على قدر الله وحكمه، و (مستقل) مبتدأ حذف خبره أي فمن الناس مستقل ومنهم مستكثر، (وفتش نفسك: هل أنت سالم؟) يعني من التقصير أو من الوقوع في المحرم (سالم) من التقصير في الظنّ الحسن لأنه واجب، التقصير يكون في الواجب، أو من الوقوع فيه فيما إذا كان محرمًا، أليس كذلك؟ (فتش نفسك: هل أنت سالم؟) (سالم؟) من ماذا؟ سلمت من التقصير فيما وجب عليك من إحسان الظن بالله، سالمٌ من الوقوع فيما حرمه الله تعالى عليك من إساءة الظن بالله.
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيًا
(فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة) أي من مصيبةٍ أي من أمرٍ ذي مصيبةٍ عظيمة، أو (فإن تنج منها) أي من هذه الخصلة العظيمة (تنج من ذي عظيمة) أي تنج من شرٍّ عظيم (فإن تنج منها) أي من هذه الخصلة العظيمة (تنج من ذي عظيمة) يعني من شرٍّ عظيم (وإلا فإني لا إخالك ناجيًا) ، (إخال) بالكسر يعني لا أظنك، (خال) من أخوات ظَنّ ... (إِخَالُكَ) بكسر الهمزة أي لا أظنك ناجيًا من الاعتراض على القدر، بل أكثر الخلق إلا من شاء الله يظنون بالله غير الحق ظن السُوء أو السَوء بلسان حاله أو بلسان مقاله.
قال رحمه الله تعالى:(فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية آل عمران)وهي {يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154] . يعني خلاف ما ورد به الشرع.
(الثانية: تفسير آية الفتح) {الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ} [الفتح: 6] . أي خلاف ما أخبره به في الكتاب وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والضمير في الآيتين يعود إلى المنافقين، {الظَّانِّينَ} أي المسيئين الظن بالله تعالى من المنافقين والمنافقات.
(الثالثة: الإخبار بأن ذلك أنواع لا تحصر) من أين؟ من كلام ابن القيم، لكن الضابط هو أنه يظن بالله تعالى ما لا يليق بجلاله، أي ظن السوء بالله أنواعٌ لا تحصى كما أخبر بذلك ابن القيم، وضابط هذه الأنواع أن يظن بالله ما لا يليق به سبحانه بأسمائه وصفاته.
(الرابعة: أنه لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات وعرف نفسه) يعني لا يسلم من ظن السوء بربه إلا من عرف أسماء الله وصفاته وأنه منزهٌ عن السوء الموصوف بكل كمال وعرف نفسه أنها مأوى كل سوءٍ وظن، أنها مأوى كل سوءِ ظنٍ، يعني فظن ماذا؟ فظن بنفسه ظن السوء بدلًا من أن يظن ربه جل وعلا، وعرف نفسه أنها مأوى كل سوءٍ فظن بها ذلك دون ربه العزيز الحكيم، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.