الثالثة: أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال. مرده إلى الفاعل حقيقةً الذي نفع وضر على وجه الحقيقة وهو الله تعالى، فربُّ الدهر هو، المعطي المانع، الخافض الرافع، المعز المذل، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبتهم الدهر مسبةٌ لله عز وجل، ولهذا كانت مؤذية للرب تعالى، فساب الدهر دائرٌ بين أمرين لا بد له من أحدهما:
-إما مسبة الله.
-أو الشرك به.
انتهى كلامه.
قال هنا: ( «يسب الدهر، وأنا الدهر» ) ، ( «وأنا الدهر» ) مبتدأ وخبر، أخبر عن نفسه بأنه الدهر، والمراد به أنه صاحب الدهر، وهنا السياق محكم ( «أنا الدهر» ) هل يقال بأنه اسم من أسمائه جل وعلا كما قال ابن حزم؟ لا، لماذا؟ لأن الحديث يُفسر بعضه بعضًا، وجملة ( «أقلب الليل والنهار» ) دليلٌ على أن المراد أنا صاحب الدهر، أنا المتصرف في الدهر ( «وأنا الدهر» ) أي صاحب الدهر ومدبر الأمور التي ينسبونها إلى الدهر، والدهر زمانٌ جُعِلَ ظرفًا لمواقع الأمور. قال تعالى: {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] ، ولقوله في الحديث ( «أقلب الليل والنهار» ) والليل والنهار هما الدهر، ولا يقال بأن الله تعالى هو الدهر نفسه، وإلا فقد جعل الخالق هو المخلوق، وجعل المقلِّب هو المقلَّب وهذا باطل، أليس كذلك؟
( «وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار» ) فمقلِّب الليل والنهار ليس هو عين المقلَّب، فالمقلَّب هو الليل والنهار، والمقلِّب هو الله تعالى، وحينئذٍ نقول: الدهر المراد به الزمان، وبهذا يتبين خطأ ابن حزم رحمه الله تعالى في عدِّه الدهر من أسماء الله الحسنى، وهذا غلط فاحش، ولو كان كذلك لكن الذين قالوا: ( {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} ) أصابوا أم أخطأُ؟ أصابوا، أليس كذلك؟ لو كان الدهر مثل ما يُهلكنا إلا الله أصابوا ما رد الله تعالى عليهم، ( {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} ) لو كان اسمًا لله تعالى كانوا مصيبين لكنهم أخطأ فدل على أن الدهر هنا ليس اسمًا لله تعالى.
وفقه الحديث يدل على ذلك، لكنه ظاهريًا وقف مع اللفظ ( «أنا الدهر» ) وانتهى صار اسمًا لله تعالى، ثم الدهر اسمٌ جامد لا معنى حسن له إلا أنه اسم للأوقات، والله تعالى قال: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} [الأعراف: 180] يعني البالغة في الحسن غايته، هذا اسمٌ جامد ليس بمشتق دالٍ على معنى حسن، الدهر اسم لليل والنهار قوله: ( «أقلب الليل والنهار» ) أي ذواتهما وما يحدث فيهما، فالليل والنهار يقلبان من طولٍ إلى قصرٍ إلى تساوٍ وما يقع فيهما كذلك يُقلبه الله تعالى، والأفعال فيهما كذلك.