( «والله لا يغفر الله لفلان» ) هذه جملةٌ ( «فقال الله عز وجل» ) ردًّا عليه ( «من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان» ) التَّأَلِّي من الأَلِيَّة بتشديد الياء اليمين يعني الحلف، يقال آلَ يُولِي إيلاءً، وتَأَلَّى يَتَأَلَّى، هكذا يَتَأَلَّى في الماضي، يَتَأَلَّى زيدٌ، والاسم الأَلِيَّة. وقوله: ( «من ذا الذي» ) ، ( «من» ) هذا مر معنا ( «من ذا الذي» ) جاءك الذي، حينئذٍ ( «من» ) اسم استفهام ( «ذا» ) ملغاةٌ، و ( «الذي» ) موصولٌ، والاستفهام يكون مبتدأ، والموصول خبرٌ له، ( «من ذا الذي يَتَأَلَّى» ) والاستفهام هنا المراد به الإنكار، مر معنا الاستفهام إذا كان الإنكار يفيد ماذا؟ يفيد التحريم، أي مَنْ ذا الذي يتحجر فضلي ونعمتي أن لا أغفر لمن أساء من عبادي؟ من هذا الرجل الذي يحلف على الله تعالى أن لا يغفر لهذا العبد المذنب الذي أساء في حق الله تعالى؟ والمغفرةُ بيد الله تعالى يغفر من يشاء ولا يغفر لمن من يشاء.
وفيه تحريم الإدلال على الله ووجوب التأدب مع الله تعالى في الأقوال والأفعال والاعتقادات والأحوال، وأن حَقّ العبد أن يُعَامِلَ نفسه بأحكام العبودية لا يرفع مَنْزِلَتَهُ إلى ماذا؟ إلى أن يجعل لنفسه حقًّا في التصرف فيما يتعلق بخصائص الباري جل وعلا، فالمغفرة صفةٌ لله تعالى، وهي من خصائصه إذًا لا دخل للبشر فيها البتة، ومر معنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا دعا ... «اللهم العن فلانًا وفلانًا» نزل قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] وهذا إذا كان النبي وهو خير الأنبياء وأفضل الأنبياء وهو أشرف البشر ومع ذلك نَزَلَ قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} . إذًا هذا الخصائص متعلقة بالله تعالى ليس للبشر فيها شيءٌ، فالأصل في العبد أن يعامل نفسه بأحكام العبودية يتصرف فيما أذن لك الشارع التصرف فيه فيما يتعلق بنفسه، ومن حولك ممن أذن لك الشارح التصرف فيه، وأما ما يتعلق بخصائص الباري جل وعلا هذا ليس من شأنك البتة، ويعامل ربه بما يجب من أحكام الإلهية والربوبية، فالله تعالى خالق وله أحكام تتعلق به وخصائص تتعلق بالصفات من جهة الربوبية ومن جهة الألوهية يجب على العبد أن يحترمها وأن يجتنب أي تنقصٍ يتعلق بها، وأنت لك أحكامٌ تتعلق بك وأذن لك الشارع في التصرف في بعضها دون بعضٍ.
قال تعالى: ( «إني قد غفرت له وأحبطت عملك» ) فعُومل بنقيض قَصْدِهِ، هو ادَّعَى بإعجابه بنفسه أنه مغفور له، وأن هذا المذنب الذي احتقره أنه من أهل النار، عامله بنقيض قصده. قال: ( «غفرت له» ) أي لهذا المذنب ( «وأحبطت عملك» ) فَعُومِلَ هذا بنقيض قصده وغُفِرَ لذلك بسببه، يعني بسبب إعجاب هذا، وكان ذاك يكره هذه الكلمة ولذلك غُفِرَ له بما يكرهه.