وفي قوله: ( «إني قد غفرت له» ) إما أن يكون قد وجدت منه أسباب المغفرة بالتوبة هذا إن كان الذنب كالشرك لأنه معلوم أن الشرك لا يُغفر في جميع الملل، هذا ظاهر النص أنه فيما سبق، والشرك - والله تعالى - إن الله لا يغفر أن يشرك به لمن مات على ذلك هذا ليس خاصًّا بهذه الأمة، بل أحكام التوحيد وأحكام الشرك هذه مطردة، أليس كذلك؟ حينئذٍ قوله: ( «إني قد غفرت له» ) إما أنه تاب إذا أشرك، بمعنى أنه لم يمت على الشرك، أو كان دون الشرك فغَفَرَ الله له تعالى لأنه من مات وعليه ذنبٌ دون الشرك ولم يصل إلى الكفر يعني مات على التوحيد على الإسلام حينئذٍ يكون تحت المشيئة فيَغْفِرُ الله تعالى له ولم يوجد سبب، أليس كذلك؟ هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، قد يُوجد سبب للمغفرة من حيث ماذا؟ من حيث ما يعتريه في الدنيا أو يعتريه عند الموت أو في البرزخ أو بعد ذلك، لكن هذا أخبر الله تعالى قبل القيامة فدل ذلك على أنه إما أنه وجد السببٌ كالموت وضغطة القبر وعذاب القبر أو نحو ذلك أو نقول بأنه تاب قبل ذلك، أو نقول: بأنه غفر له ابتداءً دون سببٍ، وهذا {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] حينئذٍ إما أن يكون قد وُجِدَتْ منه أسباب المغفرة بالتوبة أو أن ذنبه هذا كان دون الشرك، فتفضل الله تعالى عليه فغفر له، أما لو كان شركًا ومات بدون توبة فإن الله تعالى لا يغفره أبدًا، {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48] إذًا هذه القاعدة هي آية قاعدة في كل ملةٍ، في كل أمةٍ، فإذا كان كذلك فحينئذٍ من مات على الشرك وكان سابقًا على أمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - فالآية شاملةٌ له لأن أحكام التوحيد والشرك هذه لا تختلف باختلاف الأنبياء والرسل، كلهم متفقون على هذه المسائل المسائل العقدية، حينئذٍ نقول: ( «إني قد غفرت له» ) إذًا إن مات دون توبة نجزم بأنه مات على شيءٍ لا يخرجه من الملة ليس بالشرك، أو نقول بأنه تاب قبل أن يموت إن كان وقع في الشرك، وإن كان ظاهر النص فيما سيأتي «خلني وربي» هذا يدل على أنه ماذا؟ يفعل ما هو دون الشرك.
وقوله: ( «أحبطت عملك» ) يعني أهدرته أحبطت بمعنى أهدرته. أهدرته عملك، عملك هذا مفرد مضاف فيحتمل ماذا؟ عموم الأعمال، ويحتمل ماذا؟ أنه عمل خاص، إذا قيل: عملك، أحبطت عملك مطلقًا الإحباط إنما يكون بماذا؟ بالكفر هذا حكمٌ عام، حينئذٍ يكون هذا الفعل قد أوصله إلى ماذا؟ إلى الكفر، وقد يكون دون ذلك أحبطت عملك يعني هذا الذي أنت فيه، إن كان ظاهر النص والله أعلم أنه عام لأنه ليس عنده عمل هو ماذا؟ قال: وَجَدَهُ على ذنبٍ ونصحه، ونصحه، ونصحه فلم يمتثل. قال: والله لا يغفر الله لفلان. ليس هناك عمل، بمعنى أن السياق يدل على أنه قد عمل عملًا خاصًّا فأحبط الله تعالى بالمنة والإعجاب بالنفس، لا، والظاهر والله أعلم أن عمله عام، هذا قد يفهم منه أن هذا قد وصل به ... [إعجابه إلى] بإعجابه بنفسه إلى ماذا؟ إلى أنه قد جعل نفسه فوق الله تعالى فحكم بهذا الحكم الجائر، ( «والله لا يغفر الله لفلان» ) كأن الله تعالى محكومٌ عنده وهو الحاكم، وهذا كفرٌ، إن اعتقد هذا فهو كفرٌ، فإذا كان كذلك فظاهر النص أنه ماذا؟ ( «أحبطت عملك» ) كله. إذًا عملك إذا نظرنا إليه من جهة ماذا؟ اللفظ فنقول: هذا مفرد مضاف، ويحتمل عموم عمله كله، ويحتمل عملك الخاص، ووجه الأول أنه تعبد يعني العمل كله مع إعجابٍ وإدلالٍ بعمله على الله ففيه المنة بعمله على الله فيكون قد فقد ركن العبادة وهو الذل والخضوع وانتفاء الركن دليلٌ على انتفاء الكل هكذا وجهه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى، لكن هذا كذلك لا يظهر لماذا؟ لأن هذا أمرٌ خارجٌ عن النص هنا ماذا؟ حكم الباري جل وعلا ( «أحبطت عملك» ) بهذه الجملة ( «والله لا يغفر الله لفلان» ) حينئذٍ لا علاقة بسائر العبادات في كونها فقدت الذل أو نحو ذلك، وإنما يدل على أنه قد بَلَغَ به الإعجاب بالنفس في هذه الجملة إلى كونه قد اعتقد أنه حاكمٌ على الله تعالى فأحبط عمله لذلك لا لشيءٍ آخر والعلم عند الله.