الثاني، هل بُعث أو أُرسل أو وُلي على كل أهل اليمن أو على بعض أهل اليمن؟ على بعض أهل اليمن. إذًا هذه الرواية التي معنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذًا إلى اليمن، وفي رواية عند البخاري في الصحيح كتاب التوحيد بعث معاذ بن جبل إلى نحو أهل اليمن، يعني: إلى جهة أهل اليمن، وهذه الرواية قال ابن حزم: تقيد الرواية المطلقة التي معنا (إلى اليمن) ، حينئذٍ بينت الرواية الثانية أن الرواية المطلقة مقيدة يعني: إما أن يقال من قبيل المطلق، وإما أن يكون من قبيل حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. حينئذٍ (إلى اليمن) يعني: إلى أهل اليمن كقوله {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] . يعني واسأل أهل القرية، فيكون من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، لكن ابن حجر يميل إلى أنه من حمل المطلق على المقيد، أو من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثَ أبا موسى الأشعري ومعاذًا، وإن كان هذا مختصرًا هنا في كونه بعث معاذًا فقط وإنما جاء مفسرًا كذلك في عدة روايات أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث اثنين، وهما أبو موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل وكانت إمرة معاذٍ على جهةٍ مخصوصةٍ من اليمن، فدَلَّ على أن قوله أيضًا: إلى نحو أهل اليمن. أنه من إطلاق الكل وإرادة البعض لأنه إنما بعثه إلى بعضهم لا إلى جميعهم. إذًا (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لما بعث معاذًا إلى اليمن) أي: إلى أهل اليمن، ثم ليس كل أهل اليمن لأنه بعث معه أبا موسى الأشعري وإنما إلى جهةٍ مخصوصةٍ من اليمن. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: كان بعث معاذٍ إلى اليمن سنةَ عشرٍ. السنة العاشرة من الهجرة، قبل حج النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ذكره المصنف. يعني: البخاري في أواخر ... (( المغازي ) )، وقيل: كان ذلك في آخر سنة تسعٍ عند منصرفه - صلى الله عليه وسلم - من تبوكٍ. رواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن مالك، وأخرجه ابن سعدٍ في ... (( الطبقات ) )عنه، ثم حكى ابن سعدٍ أنه كان في ربيع الآخر سنة عشرٍ. وقيل: بعثه عام الفتح سنةَ ثمانٍ، واتفقوا على أنه لم يزل على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكرٍ رضي الله تعالى عنه يعني: وهو خلفية بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم توجه إلى الشام فمات بها. إذًا في الجملة أهل العلم على أن وقت هذه البعثة كانت في آخر عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وينبني عليها مسألة كما سيأتي لم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصوم ولا الحج في ما يأتي ينبني على هذه المسألة، واختُلف هل كان معاذٌ كان واليًا أو قاضيًا؟ هل بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - واليًا حينئذٍ يكون أميرًا على تلك البلد، أو بعثه قاضيًا فلا يكون أميرًا وإنما إليه التحاكم في الشرع. فجزم ابن عبد البر بالثاني يعني: كونه قاضيًا، وجزم الغساني بالأول يعني: كونه واليًا، فسلكوا مسلك الترجيح وبعضهم رأى أنه والٍ وليس بقاضٍ، والبعض الآخر يرى أنه قاضٍ وليس بوالٍ. والظاهر أنه كان واليًا قاضيًا. يعني: جمع بين الوصفين. ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومن فضائل معاذٍ رضي الله عنه أنه بعثه - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن مبلغًا عنه ومفقهًا ومعلمًا وحاكمًا. فهذه الأوصاف إنما تكون للوالي والقاضي. وفيه مشروعية بعث الإمام الدعاة إلى الجهات، النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذًا لِمَ؟ الأصل فيه أنه معلم ومفقه وكذلك يقضي بين الناس عند التنازع، فدل ذلك على أنه من وظيفة ولي الأمر أنه يبعث الدعاة ونحوهم طلاب العلم والعلماء إلى الجهات من أجل تعليم الناس، وهذا يعتبر من فروض الكفايات، بل قد يصل إلى فروض الأعيان، يدعون إلى الله تعالى بل يتعين عليه بتأكدٍ كما ذكره ابن القاسم، بل هو يعتبر من الواجبات، إما فروض الكافيات وهذا هو الأصل، وإما أن يكون من فروض الأعيان إذا لم يكن إلا بهذه التوجيهات. وقوله، أو قول ابن عباس (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لما بعث معاذًا) (لَمَّا) قيل شرطية وهي حرف وجود لوجود، والأظهر أنها ظرفيةٌ بمعنى حين كما في قوله تعالى: {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ} [الإسراء: 76] .