أمين الوحي جبريل - عليه السلام - ولقَّنهم إياه بنفس الصفة وحثهم على تعلمها والقراءة بها، فلقد ثبت أنّ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- سمع عبد الله بن مسعود يَقرأ في صلاته فقال:"مَنْ سرَّه أنْ يقرأ القرآن غضًّا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عَبْدٍ" [1] .
ولعل المقصد - والله أعلم - أنْ يقرأه على الصفة التي قرأ بها عبد الله بن مسعود مِنْ حُسْنِ الصوت وجودة الترتيل ودقة الأداء. ولقد خصَّ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- نفرًا من الصحابة أتقنوا القراءة حتى صاروا أعلامًا فيها منهم: أُبَيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وغيرهم، فكان - صلى الله عليه وآله وسلم - يتعاهدهم بالاستماع لهم أحيانًا، وبإسماعهم القراءة أحيانا أخرى؛ فلقد ثبت عن أنس بن مالك -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لأُبيّ بن كعب:"إنّ الله أمرني أنْ أقرأ عليك"قال: آلله سَمَّاني لك؟ قال:"الله سمَّاك لي"قال أنس: فجعل أُبيّ يبكي" [2] ."
كما ثبت عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال لي النبي - صلى الله عليه وآله وسلم:"اقرأ عليّ القرآن"قلت: أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال:"إنَّي أُحب أنْ أسمعه من غيري"فافتتحت سورة النساء فلما بلغت: فَكَيْفَ إِذَا
(1) رواه أحمد والبزار والطبراني، وفيه عاصم بن أبي النجود وهو على ضعفه حسن الحديث، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح، ورجال الطبراني رجال الصحيح، انظر مجمع الزوائد للهيثمي"ج: 9، ص 287."
(2) رواه مسلم، في باب استحباب قراءة القرآن على أهل الفضل،"ج: 2، ص 195".