(الإنشاء) لغة: هو الإيجاد، أَنْشَأَه اللّه: خَلَقَه، ونَشَأَ يَنْشَأُ نَشْأً ونُشُوءًا ونَشَاءً ونَشْأَةً ونَشَاءة: حَيي، وأَنْشَأَ اللّهُ الخَلْقَ أَي ابْتَدَأَ خَلْقَهم، وفي التنزيل العزيز: وأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرى؛ أَي البَعْثة [1] .
في الاصطلاح: ما لا يحتمل صدقًا ولا كذبًا، كالأمر والنهي والاستفهام والتمني والنداء وغيرها، فإنك إذا قلت: (اللّهم ارحمني) لا يصح أنْ يقال لك: صادق أو كاذب، نعم يصح ذلك بالنسبة إلى الخبر الضمني المستفاد من الكلام، وهو أنّك طالب للمغفرة. [2]
تقدم أنَّ الإنَشاء ما لا يحتمل صدقًا ولا كذبًا، وهو قسمان: طلبي، وغير طلبي، وذلك لأنَّه إنْ استدعي الكلام الذي تقوله شيئًا غير حاصل عند النطق؛ فهو الطلبي، ألا ترى أنَّك إذا قلت لغيرك: اكتب الدرس. فإنَّ هذا القول يستدعي شيئًا غير حاصل عند تلفظك به؛ لأنَّ الذي تخاطبه لم يكن قد كتب الدرس، ولو كان قد كتبه؛ لكان كلامك تحصيل حاصل لا فائدة منه، وهكذا إذا قلت: لا تفتح الباب. فإنَّ الذي تخاطبه لم يفتح الباب بعد، أمَّا إذا كان الإنَشاء لا يستدعي أمرًا حاصلًا عند الطلب، فهو إنشاء غير طلبي، وذلك كالتعجب، والمدح والذم، والدعاء، وصيغ العقود، والقسم، وبعض أفعال المقاربة، وهي: (كاد) و (كرب) ، وأفعال الرجاء: (عسي) ، (وحري) ، (واخلولق) . إذا قلت: ما أجمل السماء! وما أحسن المصطاف والمتربعا! لله دره فارسًا! فإنَّ هذا قول لا يحتمل الصدق والكذب، فهو إنشاء ولكنَّه لا يستدعي شيئًا غير حاصل؛ لأنَّك بقولك لا تطلب شيئًا، وكذلك إذا بعت أو اشتريت؛ تقول لصاحبك: بعت هذا الكتاب. فإنَّ هذا القول لا يحتمل الصدق ولا الكذب، ولكنْ لا يستدع شيئًا غير حاصل عند
(1) لسان العرب، لابن منظور، مادة (نشأ) .
(2) البلاغة فنونها وأفنانها، فضل عباس حسن، 151.