شرع الله - سبحانه وتعالى- لقراءة القرآن صفة معينة وكيفية ثابتة، قد أمر بها نبيه عليه الصلاة والسلام فقال تعالى: {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [1] ، أي اقرأه بتؤدة وطمأنينة وتدبر، وذلك برياضة اللسان والمداومة على القراءة؛ بترقيق المرقق وتفخيم المفخم، وقَصْرِ المقصور ومدِّ الممدود وإظهار المظهر، وإدغام المدغم، وإخفاء المخفي، وغنِّ الحرف الذي فيه غنة، وإخراج الحروف من مخارجها، وعدم الخلط بينها، كل ذلك دون تكلُّف أو تمطيط، ولقد أكد الله - عز وجل - الفعل وهو"رتِّل"بالمصدر وهو"ترتيلا"؛ تعظيمًا لشأنه واهتمامًا بأمره.
كما قال سبحانه: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [2] ، أي لتقرأه على الناس بترَسُّلٍ وتمهُّل؛ فإنَّ ذلك أقرب إلى الفَهمِ وأسهل للحفظ، والواقع أنَّ هذه الصفة لا تتحقق إلا بالمحافظة على أحكام التجويد المستمدة مِنْ قراءة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - والتي ثبتت عنه بالتواتر والأحاديث الصحيحة، فلقد ثبت أنَّ أنس بن مالك - رضي الله عنه - سُئل كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال:"كانت قراءته مدًّا، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمدُّ ببسم الله، ويمدُّ بالرحمن، ويمدُّ بالرحيم" [3] .
وقد نُقلت إلينا هذه الصفة بأعلى درجات الرواية، وهي المشافهة حيث يتلقى القارئ عن المقرئ، والمقرئ قد تلقاه عن شيخه، وشيخه عن شيخه، وهكذا حتى تنتهي السلسلة إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- [4] ، ومِنْ المؤكد أنَّ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قد علَّم أصحابه القرآن الكريم كما تلقَّاه عن
(1) - سورة المزمل آية: 4.
(2) - سورة الإسراء آية: 106.
(3) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني"ج: 9، ص 91، كتاب فضائل القرآن."
(4) غاية المريد من علم التجويد، عطية قابل نصر، القاهرة الطبعة السابعة ص 16.