فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 257

إنَّ الإخبار الذي تضمنته الآية الكريمة خرج إلى معنى المغفرة، فالأسلوب الخبري يوضح معنى تشريعيًا في بعض الآيات؛ لأنَّ كتاب الله كتاب توجيهي تشريعي فالعلاقة بين البلاغة والتشريع القرآني علاقة وطيدة؛ لأنَّ البلاغة دليل المفسر في فهم المعاني الدقيقة لهذه الآية أو تلك، وتُقرأ بتنغيمٍ منخفضٍ هادئٍ وبتزمين بطيئ يظهر حالة التحسر على الخطأ وبطلب المغفرة، والخبر في القرآن الكريم أسلوب غني بالمعاني البلاغية المتعددة فمنه ما يخرج الى غرض إظهار الضعف.

3 -اظهار الضعف: ومن الآيات التي جاء فيها الخبر على سبيل إظهار الضعف قوله تعالى على لسان زكريا قال تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} [1] ، فالجمل الخمسة الأولى جمل خبرية في أصل وضعها، والنبي زكريا -عليه السلام - في الآيات السابقة لا يريد أنْ يقرر واقعًا يفيد به ربه معرفة ذلك الواقع فالغرض لازم الفائدة؛ لأنَّ الله لا يخفى عليه شيء وهو العليم الحكيم، فسيدنا زكريا إنَّما يريد أنْ يُظهر ضعفه وخوفه ملتمسًا من ربّه مخرجًا من الأمرين: الضعف، والخوف.

وهذا المخرج المأمول ينشئه قصده الذي حول المعنى الخبري الظاهر إلى المعنى الإنشائي الدعائي العميق، والقرينة حالية، فالله يعرف كلَّ شيء، وزكريا متثبت من ذلك، وهذا ما يمنع إرادة المعنى الأصلي، أي إرادة الإخبار التقريري من النبي لربه، وبهذا الامتناع يتحول الخبر إنشاءً.

فقد بلغ تحوّل الخبر إنشاءً، وصارت العبارة إنشاءً صريحًا بالأمر [2] ، وعند قوله تعالى: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} ، أي فتسبب عن شيخوختي وضعفي وتعويدك لي الإجابة، وخوفي وسوء خلافة أقاربي ويأسي عن الولد

(1) سورة مريم الآيتين: 4 - 5.

(2) ينظر: صناعة الكتابة: 218 - 219، ونظم الدرر للبقاعي: 12/ 168.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت