حضورهم عند المحتضر، وأكدت ما سيق له الكلام من توبيخهم على صدور ما يدل على سوء اعتقادهم بربهم - سبحانه - منهم، والمعنى: إذا كنتم أيها الجاحدون المكذبون لم تعتبروا ولم تتعظوا بكل ما سقناه لكم من ترغيب وترهيب، على لسان رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - فهلا اعتبرتم واتعظتم وآمنتم بوحدانيتنا وقدرتنا، حين ترون أعز وأحب إنسان إليكم، وقد بلغت روحه حلقومه، أوشكت على أن تفارق جسده، وأنتم أيها المحيطون بهذا المحتضر العزيز عليكم، حين وصل الأمر به إلى تلك الحالة، التي تنذر بقرب نهايته، تنظرون إلى ما يقاسيه من غمرات الموت، وتبصرون ما فيه من شدة وكرب، وتحرصون كل الحرص على إنجائه مما حل به، ولكن حرصكم يذهب أدراج الرياح، ونحن أقرب إليه منكم، ولكنكم لا تدركون ذلك، بقدرتنا النافذة، وحكمتنا البالغة [1] .
7 -لتخصيص أحد المذكورين بزيادة التأكيد في أمر يتعلق بهما: كما في قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [2] . فقوله سبحانه: (حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين) ، إعتراض بين قوله (ووصينا الإنسان بوالديه) وبين الموصى به (أن اشكر لي ولوالديك) ، وفائدة هذا الإعتراض: هو توجيه نظر الأبناء إلى الإهتمام بالأم أكثر من الإهتمام بالأب لضعفها، فذكر ما تكابده الأم، وتعانيه من المشاق والمتاعب، في حمله وفصاله، هذه المدة المتطاولة، إيجابا للتوصية بالوالدة خصوصًا [3] .
(1) انظر التفسير الوسيط للقرآن الكريم: د. محمد السيد طنطاوي:. ج 27/ ص 240، تفسير التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور: ج 27/ ص 342.
(2) سورة لقمان آية: 14.
(3) البلاغة فنونها وأفنانها د. فضل حسن عباس: (مرجع سابق) ص 503. والزمخشري: الكشاف (مرجع سابق) ج 3،ص 493.