4.إظهار الاسترحام والاستعطاف: يشعر الإنسان أحيانًا بالضيق، وبضغط الحياة ومصائبها؛ فَيُخبر عن آلامه وعذابه، ويكون مقصده طلب الرحمة والعطف، ومن الآيات القرآنية التي حملت هذا المعنى قوله تعالى على لسان موسى- عليه السلام- فقال تعالى: {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [1] .
وإذا ما رجعنا إلى تفسير البقاعي نجد تفسيره للآية على هذا المعنى فيقول:"وتعرض لسؤال ما يطعمه بقوله: (إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) ولما كان حاله في عظيم صبره حال من لا يطلب، أكد سؤاله إعلامًا بشديد تشويقه لما سأل فيه، وزيادة في التضرع والرقة والاسترحام، فقال: (وإِنِّي (وأكد الافتقار بالإلصاق باللام دون إلى ... وعبر بالماضي تعميمًا لحالة الافتقار، وتحقيقًا لإنجاز الوعد بالرزق" [2] ، وكان لم يذق طعامًا سبعة أيامٍ، وقد لصق بطنه بظهره، فعرض بالدعاء ولم يصرّح بالسؤال هكذا روى جميع المفسرين [3] ، أنَّه طلب في هذا الكلام ما يأكله.
فالخير يكون بمعنى الطعام كما في هذه الآية، ويكون بمعنى المال كما في قوله تعالى: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} [4] وقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [5] ، ويكون بمعنى القوة كما في قوله تعالى: {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} [6] . قال ابن عباس: وكان قد بلغ به الجوع، واصفَّر لونه من أكل البقل في بطنه، وإنَّه لأكرم الخلق على الله، ويروى أنَّه لم يصل إلى مدين حتى سقط باطن قدميه، وفي هذا
(1) سورة القصص آية: 24.
(2) نظم الدرر: 14/ 266 ومصاعد النظر: 2/ 426 ..
(3) ينظر: الكشاف: 3/ 171، وتنوير المقباس: 2/ 186، والبحر المحيط: 7/ 114، وانوار التنزيل: 2/ 190، والجلالين: 8/ 3، وروح المعاني، للألوسي: 6/ 343.
(4) سورة البقرة آية: 180.
(5) سورة العاديات آية: 8.
(6) سورة الدخان آية: 37.