فأما المقدمة الأولى، فليست بصحيحة هكذا على سبيل العموم، وقد أسلفنا أن أخبار الآحاد المحتفة بالقرائن تفيد العلم، وقلما يوجد حديث في الصحيحين أو تلقته الأمة بالقبول وليس له أصل من القرآن أو الأحاديث المتواترة أو الإجماع يشهد لصحته، ثم إن أخبار الآحاد داخلة في عموم الذكر الذي تكفل الله بحفظه، ويجب أن نضع في اعتبارنا عامل الحفظ الإلهي للشريعة الإسلامية بكافة مصادرها، ولا يمكن أن يكون الخبر الذي تَعبَّد الله به الأمة، وتَعرَّف به إليهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في إثبات أسمائه وصفاته -كذبًا وباطلًا في نفس الأمر، ولا ينصب الله دليلًا على ذلك، فإنه من حجج الله على عباده، وحجج الله لا تكون كذبًا أو خطأ (924) ،كما ينبغي ألا نغفل عن الضوابط الدقيقة والقواعد المتقنة، التي وضعها علماء الحديث للحكم على الروايات بالصحة أو بالضعف، واهتمامهم البالغ بنقدها وتعليلها، وغربلتها أسانيد ومتونًا.
وأما التفريق بين مجالي الاعتقاد والتعبد -هكذا على سبيل الإطلاق- فأمر قابل للنظر والمناقشة، وما من عمل تعبدي إلَّا وينطوي في داخله على نوع من الاعتقاد بأن هذا حكم الله أو حكم رسوله، والتسليم والانقياد لما أحلا أو حرما، وكلها مسائل عقدية قلبية.
ويلزم عن هذا التفريق تخصيص الأدلة الشرعية الموجبة للأخذ بخبر الواحد دون مخصص، وحدوث نوع من التفاوت في الواجبات الاعتقادية بين الصحابة الذين تيقنوا من صحة الحديث لتلقيهم إياه شفاهة من النبي صلى الله عليه وسلم وبين سائر الأمة، وغير ذلك من اللوازم التي استفاضت بعض الدراسات المعاصرة في بيانها (925) ، مما يطمئن معه الناظر في هذه المسألة إلى أن خبر الواحد الذي ثبت إسناده، وصح متنه، واحتف بالقرائن، ولم يخالف آية محكمة أو سُنَّة متواترة، أو بديهة العقل وضرورياته، وكلها شروط لا بد من توافرها في الحديث حتى يُحكم عليه بالصحة -مصدر معتمد للاحتجاج به في سائر أمور الدين عقيدة أو شريعة، وأصولًا أو فروعًا، ولا يعني هذا من قريب أو من بعيد ما ظنه البعض من إفساح المجال لتسرب الحشو والأساطير والموضوعات إلى العقيدة وأصولها، أو ابتنائها على الظنيات، ففي فنون المصطلح الدقيقة والتطبيق الصارم لها منجاة من ذلك كله، وكفالة مطمئنة للعمل بالحديث والاعتماد عليه.