فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 584

الكلامية بأحاديث موضوعة أو لا أصل لها، ومن أمثلة ذلك إيراد الجويني لحديث: «من عرف نفسه فقد عرف ربه» (913) وحديث: «لُعنت القدرية على لسان سبعين نبيًّا» (914) ، وذكر الرازي حديث: «إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمها إلا العلماء بالله، فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرة بالله» (915) ، واستشهد الآمدي بحديث: «كنت كنزًا مخفيًّا لم أُعرف، فخلقت خلقًا لأُعرف به» (916) ، واستدل الإيجي في أول المواقف (917) بحديث: «اختلاف أمتي رحمة» مع أنه لا أصل له، ولم يتعقبه شارحو المواقف أو محشوه (918) .

وأما أبو حامد الغزالي، فإنه يصف معرفته بالحديث فيقول: «وبضاعتي في علم الحديث مزجاة» (919) ، وكتبه -ولا سيما الإحياء- مشحونة بما لا يصح من الروايات، (920) وإن اتجه في أواخر عمره -كما يحكي ابن عساكر- إلى الإقبال «على حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ومجالسة أهله، ومطالعة الصحيحين البخاري ومسلم اللذين هما حجة الإسلام، ولو عاش لسبق الكل في ذلك الفن بيسير من الأيام يستفرغه في تحصيله» (921) .

وأخيرًا، ومن خلال العرض السابق يتبين لنا بوضوح اتفاق كلمة المعتزلة وجمهور الأشاعرة -ولا سيما متأخريهم- على أن أخبار الآحاد لا يصح الاحتجاج بها، أو التعويل عليها في مجال العقيدة؛ مما أدى إلى تضييق نطاق الاحتجاج بالسُّنَّة في كتبهم الكلامية، وقصرها على المتواتر الذي لا يمثل إلَّا نسبة ضئيلة، كما أدى إلى رد أو تأويل كثير من أحاديث الآحاد الصحيحة إذا خالفت ظواهرها آراء المذهبين، وعمل ذلك كله على حدوث نوع من العداء المستحكم بين المحدِّثين من جهة والمتكلمين -وخصوصًا المعتزلة- من جهة أخرى، وقد ظهرت آثار ذلك في عدد من الكتب المؤلفة من الطرفين كـ «الانتصار لأهل الحديث» لأبي المظفر بن السمعاني (922) و «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة، و «قبول الأخبار ومعرفة الرجال» لأبي القاسم البلخي (923) .

وتبقى كلمة أخيرة في تقويم نظرة المتكلمين إلى أخبار الآحاد، والتي بنوها على مقدمتين:

الأولى: أن أخبار الآحاد بكافة صورها لا تفيد إلَّا الظن.

والأخرى: التفريق بين مجال العقيدة -حيث لا يقبل إلَّا الدليل القطعي- ومجال التعبد؛ حيث يصح الاكتفاء بالظنيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت