فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 584

استعمالها في مسائل العقيدة عن طريق قسم جديد أسماه بالمستفيض، وأدخل تحته كثيرًا من أنواع الآحاد، مقررًا إفادتها للعلم النظري (888) .

وانتقل المذهب الأشعري على يد الجويني نقلة كبيرة اقترب بها -إن لم يتشابه تمامًا- من الموقف الاعتزالي من خبر الواحد، فهو لا يفضي إلى العلم (889) بل يصرح الجويني بأننا لو أضربنا صفحًا عن جميع ما يورده الخصوم من أخبار الآحاد في استدلالاتهم لكان سائغًا، ولا يلزم المسئول قبوله إن أورده السائل عليه، ولا على السائل قبوله إن أورده المسئول (890) ، وأما إذا اجتمعت الأمة على قبول خبر من أخبار الآحاد، فتارة يميل إلى أن إجماعهم لا يوجب القطع بصحته (891) ، وتارة أخرى يرى أن ذلك دليل على صدقه (892) .

ثم استقر المذهب فيما بعد الجويني على أن أخبار الآحاد لا يُعول عليها في مجال الاعتقاد، وهذا ما صرح به الغزالي (893) ، والآمدي (894) وابن العربي (895) وبدر الدين بن جماعة (896) والتفتازاني (897) والإيجي (898) ، ويُعدُّ الرازي أبرز الأشاعرة الذين عنوا بالتأكيد على هذا القول حتى وصل به الحال إلى حكاية اتفاق الأصوليين على عدم جواز التمسك بأخبار الآحاد في المسائل العقدية (899) ، كما حكى اتفاقهم على امتناع العمل بالظنيات في أصول الدين (900) ، ثم استفاض في إيراد الأدلة المؤكدة على وصفها بالظنية (901) .

ولا يخفى ما في نقل هذا الاتفاق من مجاوزة للدقة ومجافاة للصواب، وقد سقنا فيما مضى أسماء الأشاعرة القائلين بإفادة خبر الواحد المحتف بالقرائن للعلم، ويكفي أن إمام المذهب أبا الحسن ممن احتجَّ بخبر الواحد في العقيدة، وتابعه في الرأي أبو إسحاق الإسفراييني (902) والقرطبي (903) والزركشي (904) ، ونسب ابن عبد البر (905) وأبو المظفر الإسفراييني (906) وابن النجار الحنبلي (907) القولَ بذلك إلى إجماع أهل السُّنَّة والحديث، وبالغ في نصره ابن حزم (908) وابن تيميَّة (909) وابن القيم (910) وجمهرة كبيرة من المعاصرين (911) ، فكيف يقال بعد ذلك: إن عدم الاعتداد بخبر الواحد من الأحكام المتفق عليها بين أهل العلم جميعًا؟!

ولم يسلم أئمة الأشاعرة المتأخرون من الوقوع في نفس المسلك المتناقض الذي وقع فيه المعتزلة، فبينما نجدهم يرفضون الاحتجاج بخبر الواحد في العقيدة، ويُضعِّف بعضهم -كالرازي- أحاديث ثابتة في الصحيحين لمخالفتها رأي المذهب (912) ، إذا بهم يستدلون في مصنفاتهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت