ويسوق في مقالات الإسلاميين جملة ما عليه أهل الحديث والسُّنَّة، وهو المذهب الذي صرح باختياره والذهاب إليه، ومن ذلك: «الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يردون من ذلك شيئًا» (876) ويتكرر الأمر نفسه في مواضع من رسالته إلى أهل الثغر (877) .
وعلى المستوى التطبيقي يستشهد أبو الحسن بعدد غير قليل من الأحاديث (878) وقلما يخلو باب من أبواب «الإبانة» إلَّا ويورد فيه طائفة من الأحاديث التي تؤيد ما اختاره من عقائد، وجلها لا يخرج عن نطاق الآحاد بالمفهوم الكلامي، كما أن لأبي الحسن كتابًا مستقلًّا في هذا الصدد أسماه «مجالسات في خبر الواحد» (879) ، ولكنه مع الأسف لم يصل إلينا، ولم يذكر ابن عساكر عن مضمونه شيئًا، وإن كان يغلب على الظن أنه في الرد على منكري حجية خبر الواحد ونفاة الاحتجاج به، مثلما فعل في تأليفه كتابًا عن المتواتر والرد على من طعنوا في حجيته (880) .
وتظهر أول بادرة للتفريق بين الآحاد والمتواتر في الاحتجاج على المسائل العقدية عند الباقلاني، الذي يرى أن خبر الواحد لا يوجب العلم، وإنما يوجب العمل إذا كان ناقله عدلًا ولم يعارضه ما هو أقوى منه (881) ، ولكنه بالرغم من هذا الرأي يميل إلى أن خبر الواحد يُقبل إذا اجتمعت الأمة على تلقيه بالقبول والمصير إلى العلم بموجبه والقطع عليه (882) ، وكثيرًا ما يستدل بأحاديث الآحاد في كتابه الإنصاف (883) وحينما يناقش خصومه في احتجاجهم بحديث ما لا يرده لكونه أحاديًّا، وإنما يركز جهده في مناقشة المعنى ودلالة الألفاظ.
وتبدو هذه السمة ذاتها عند ثلاثة من أئمة الأشاعرة: أولهم سابقٌ للباقلاني زمنيًّا إذ يعد من طبقة الآخذين مباشرة عن أبي الحسن الأشعري، وهو أبو الحسن علي بن مهدي الطبري المتوفى (380 هـ) في كتابه «تأويل الآيات المشكلة» (884) حيث يستعين بالتأويل والمجاز وصرف النصوص عن ظواهرها، ولا يلجأ إلى التخلص منها بحجة أنها من أخبار الآحاد، والثاني معاصر للباقلاني، وهو ابن فورك (ت 406 هـ) والذي يقترب في كتابه «مشكل الحديث وبيانه» من منهج أبي الحسن الطبري ومن طريقته وهي التأويل دون التلويح بأحادية تلك الأحاديث، مع تصريحه الواضح بأن أخبار الآحاد توجب العمل دون العلم (885) والثالث متأخر عن الباقلاني وهو عبد القاهر البغدادي، ومن كتبه المخطوطة «تأويل متشابه الأخبار» (886) ، وهو يتفق مع سابقيه في أن أخبار الآحاد توجب العمل دون العلم (887) ، ولكنه يوسع من دائرة الأخبار الجائز