وأما ذم الخصوم فيروي القاضي حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: «لُعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبيًّا، قيل له: ومن القدرية يا رسول الله؟ قال: قوم يزعمون أن الله قدَّر عليهم المعاصي وعذبهم عليها، والمرجئة قوم يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل» (869) وواضح أن القاضي حمل مصطلح القدرية على غير الشائع من مفهومه؛ حتى يبرئ أصحابه من القول به ويلصقه بمخالفي المذهب.
ولا يكاد أصلٌ من أصول المعتزلة يخلو من حديث موضوع في تأييده، والرد على الخصوم، ففي القدر يوردون حديث: «الشقي من شقي بعمله، والسعيد من سعد بعمله» (870) وفي ذم الجبر: «ما هلكت أمة قطُّ حتى يكون الجبر قولهم» (871) وفي نصرة مذهبهم في مفهوم الإيمان: «الإيمان قول وعمل» (872) وفي تأييد قولهم بخلق القرآن: «ما خلق الله من سماء ولا أرض ولا عرش ولا كرسي أعظم من آية في سورة البقرة {الله لا إله إلَّا هو الحي القيوم} » (873) وفي الرؤية: «لن يرى الله أحدٌ في الدنيا ولا في الآخرة» (874) .
وبهذه الطريقة صارت العصبية للمذهب ومحاولة الانتصار له وتأييد أقواله مبررًا لإيراد هذه النوعية من الأحاديث التي تكفي مطالعتها لمعرفة بطلانها ووضعها، ومن حقنا أن نتساءل عن العقلية الاعتزالية الناقدة، وأين غابت عن إدراك تهافت هذه النصوص سندًا ومتنًا؟ ثم ما الفائدة من إيرادها أصلًا، وهي على فرض صحتها آحاد لا تُقدم ولا تُؤخر، ولا يجوز الاحتجاج بها حسبما صرح المعتزلة أنفسهم؟
وأخيرًا، أفليس هذا وقوعًا فيما عابوا به خصومهم من الحشو، وقلة التمييز بين الصحيح والضعيف، والاستدلال بما يناقض بدائه العقول وضرورياتها؟
وإذا انتقلنا إلى الأشاعرة فلا نكاد نجد أثرًا للتفريق بين المتواتر والآحاد في مجال العقيدة عند شيخ المذهب أبي الحسن، بل نراه يلح دائمًا على قبول الروايات الصحيحة دون تفرقة بين متواترها وآحادها ما دامت منقولة عن طريق الثقات العدول، ومن ثم يقول في «الإبانة» : «ونسلم بالروايات الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي رواها الثقات، عدل عن عدل، حتى تنتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم» (875) .