(جـ) وردَّ القاضي عبد الجبار حديث الإتيان بالموت على صورة كبش أملح ثم ذبحه بين الجنة والنار (859) ، راميًا من احتج بمثله بمخالفة العقل، حتى صار من الواجب أن يضرب عنه صفحًا، ويطوي الكشح دونه (860) ، وكذا طعن في صحة حديث: (( الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف ) ) (861) بحجة أن الأرواح في الحقيقة لا توصف بأنها جنود، ولا بأنها تتناكر وتتعارف؛ لأن كل ذلك من صفات الحسيات، والمراد بالحديث -على فرض صحته- أن ذوي الأرواح بهذه الصفة، فذكر الروح وأراد الحي (862) .
وتبقى أمثلة كثيرة يصعب استقصاؤها (863) ، وجلها لا إشكال فيه سوى مخالفة مذهب المعتزلة، أو تعلقها بأمور غيبية فوق إدراك العقل وتصوره، وإن كانت مما لا تحيله العقول أو تحكم ببطلانه، ولا أدري لماذا تسرع المعتزلة في رد هذه الأحاديث، وهم أهل التأويل وممتلكو ناصية اللغة والبيان، وكان بإمكانهم -بجهد يسير- أن يحملوها على محامل مقبولة، وتوجيهات سائغة بدلًا من ردها والطعن في صحتها، لا سيما وأنهم قد تأولوا عشرات الآيات القرآنية بتأويلات متعسفة شديدة التكلف، فلماذا لم يسلكوا نفس المسلك هاهنا ... ؟
وتبلغ المفارقة في التعامل الاعتزالي مع أحاديث الآحاد مداها حينما نفاجأ عند مقارنة هذا الموقف المتشدد والمبادر إلى رد الأحاديث والطعن في صحتها، بموقف آخر غاية في التساهل حينما توافق تلك الأحاديث المذهب أو تؤيده.
وقد وصل الحال بالمعتزلة إلى الاستشهاد بنوعية من الروايات طالما انتقدوا خصومهم لأنهم احتجوا بمثلها، فالقاضي عبد الجبار وابن المرتضى يحتجان بحديث مكذوب لا أصل له في فضل واصل بن عطاء، يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «يكون في أمتي رجل يقال له واصل بن عطاء يفصل بين الحق والباطل» (864) وفي رواية: «واصل، وما واصل، يصل الله به الدين» (865) وأظن أننا لسنا بحاجة إلى التعليق على هاتين الروايتين أو إثبات وضعهما (866) .
ولا يقتصر المدح على واصل وحده بل يتسع ليشمل المعتزلة ككل، فينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أبرها وأتقاها الفئة المعتزلة» (867) وفي حديث آخر: «من اعتزل من الشر سقط في الخير» (868) .