ولا بأس أن نذكر عدة أمثلة من التطبيقات الاعتزالية للقانون المذكور، لا في جانب التأويل؛ لصعوبة حصره، ولأننا سنُفرد له مبحثًا مستقلًّا إن شاء الله، وإنما في جانب الرد والتضعيف لعدد من الأحاديث الصحيحة الثابتة، ومن الملاحظ أن ميل المعتزلة إلى الطعن في الصحة كان أكثر وضوحًا من ميلهم للتأويل، وهذا ما نسبه القاضي إلى شيوخه فقال: «كان شيوخنًا رحمهم الله لا يسوغون التعسف في تأويل أخبار الآحاد، ويردون ما هذه حاله من الأخبار، إذا قل احتماله للصواب» (844) .
(أ) رد أبو علي الجبائي، وتابعه القاضي عبد الجبار (845) حديث محاجة آدم وموسى (846) ، مما أثار تعجب أحد تلامذة الجبائي؛ حيث رأى شيخه يقبل بنفس الإسناد حديثًا آخر، فسأله مستغربًا: حديثان بإسناد واحد، صححت أحدهما، وأبطلت الآخر؟! فأجاب الجبائي بأن القرآن وإجماع المسلمين ودليل العقل دل على بطلان أحدهما وقبول الآخر (847) .
وفي كلامه إشارة مهمة إلى المنهج الاعتزالي الذي لا يلتفت كثيرًا إلى قوائم الإسناد، أو سلسلة الرواة وأحوالهم، وإنما التعويل الحقيقي على موافقة العقل أو مخالفته، وهذا ما اعترف به أبو علي حين قال عن بعض الأحاديث: «ما صححت هذا لإسناده ولا أبطلت ذاك لإسناده» وقال عن أبي هريرة: «إنما هو رجل من المسلمين» (848) وبالطريقة ذاتها رد الجبائي (849) حديث: (( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد ) ) (850) .
(ب) وطعن أبو القاسم البلخي في صحة عدد كبير من النصوص بحججٍ غاية في الغرابة، ومن ذلك حديث (( سِباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) ) (851) متعللًا بأن عليًّا وطلحة والزبير رضي الله عنهم اقتتلوا؛ فلم يكفِّرهم المسلمون (852) ، وحديث: (( مثل أمتي مثل المطر، لا يُدرى أوله خيرٌ أم آخره ) ) (853) لأن الأمة مجمعة على أن خير هذه الأمة الصدر الأول (854) وحديث: (( لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو ) ) (855) ولم يذكر سببًا لرده (856) ، وحديث حذيفة: (( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبول قائمًا ) ) (857) مع أنه لا ينطوي على أمر عقدي، غير أن البلخي تعقبه بقوله: «وهذا فاحش منكر، لا نراه إلَّا من قِبل بعض الزنادقة» (858) وكأنه ظن أن قول حذيفة: «رأيت يعني» اطلاعه على ما لا يحل النظر إليه، والأمر أيسر من ذلك إذا فُهم الحديث على أن حذيفة رأى شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم من بُعد لا من قُرب.