[البقرة: 79] يستنبط من الآية أنه «لا يجوز قبول كل رواية؛ بل يجب التمييز بين الحق والباطل، فتدل من هذا الوجه على أنه لا يجوز قبول أخبار الآحاد التي يرويها المبتدعة والمشبهة لرياسة أو جر نفع» (839) .
2 -ويذكر أبو القاسم البلخي عددًا من المجالات التي لا يُعتمد فيها على الآحاد؛ كأصول الكلام المجمع عليها، والتي يجب ألَّا يُقبل فيها إلَّا الأخبار المتواترة، ولا يُحتاج معها إلى أسانيد ولا إلى فلان عن فلان، وكذلك الأمر العام الذي يحتاج إليه الأكثر (840) وكل ذلك يُفترض فيه الشيوع والانتشار بحيث يرد برواية الجمع الغفير الذين يبلغون مبلغ التواتر.
3 -ويلح القاضي عبد الجبار في مواضع عديدة من كتبه (841) على أن خبر الواحد لا يُقبل فيما طريقه العلم؛ معللًا رأيه بأن كل واحد من المخبرين يجوز عليه الغلط، ويمكن أن يقع في الخبر السهو والنسيان والتغيير والتبديل؛ ولذلك لا يُرجع إليه في معرفة التوحيد، والعدل، وسائر أصول الدين (842) .
ثم يضع قانونًا كليًّا للتعامل مع خبر الواحد الوارد في مسائل الاعتقاد، ويتلخص في أن الخبر «إن كان مما طريقه الاعتقادات يُنظر: فإن كان موافقًا لحجج العقول قُبل، واعتُقد موجبه، لا لمكانه بل للحجة العقلية، وإن لم يكن موافقًا لها فإن الواجب أن يُرد، ويُحكم بأن النبي لم يقله، وإن قاله فإنما قاله على طريق الحكاية عن غيره، هذا إذا لم يحتمل التأويل إلَّا بتعسف، فأما إذا احتمله فالواجب أن يتأول» (843) .
وتبعًا لهذا القانون الاعتزالي تنتفي الفائدة من أخبار الآحاد، ويمكن الاستغناء عنها بالكلية، فحتى في حالة موافقتها لأدلة العقول لن تقبل لذاتها؛ وإنما لمكان الحجة العقلية، وأما في حالة المخالفة فطرق الرد كثيرة ما بين تضعيف الروايات أو تأويلها، وربما كان أكثر تلك الطرق غرابة حمل الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم حكاه عن غيره، فكيف يحكي صلى الله عليه وسلم أمرًا من أمور العقيدة عن غيره، ثم لا يعقبه بالموافقة أو المخالفة، مع أن إقراره حجة؟! ومَنْ هذا الذي يصل إلى الدرجة التي يشغل النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بحكاية أقواله؟!