فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 584

وقد وضع أبو القاسم البلخي (836) شروطًا لا بد من توافرها لقبول خبر الواحد تتلخص في: عدم مخالفته لكتاب الله، وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع الأمة، والعقل الذي جعله الله حجته على عباده، كما لا يجوز قبوله في أصول الشريعة وأحكامها التي تلزم العامة والخاصة، وتحتاج إلى النقل المتواتر (837) .

وهكذا يظهر لنا أن ثمة تفاوتًا بين موقف متقدمي المعتزلة ومتأخريهم؛ فبينما اقتصر المتقدمون على قبول المتواتر وحده، فإن المتأخرين قد احتجوا بالمتواتر والآحاد معا، وإن ظلت مخالفة العقل وآراء المذهب كفيلة بتضعيف الحديث أيا كان نوعه، وسيمر علينا في المسألة القادمة نماذج متعددة لهذا الصنيع.

ولا يخفى أن من رفض الاعتداد بخبر الواحد ورده في مجال التعبد -لن يقبله من باب أولى في مجال الاعتقاد، ولذا سيكون البحث في المسألة القادمة مُنصبًّا على موقف الآخذين بالآحاد في مجال التعبد، وهل قبلوه في العقائد، أم أن موقفهم لم يستمر على نفس المنوال، فعادوا لموافقة شيوخ المذهب الأوائل مرة ثانية؟

أخبار الآحاد في مجال الاعتقاد

اتفقت كلمة المعتزلة على عدم جواز الاعتداد بأخبار الآحاد في مجال العقيدة، ويأتي ذلك كنتيجة حتمية لما سبق أن قرروه من إفادتها الظن، وقصورها عن الارتقاء إلى مرتبة اليقين، ولما كانت مسائل العقيدة لا يُقبل فيها سوى القطعيات لم يصح عندهم الاحتجاج بأخبار الآحاد في إثباتها أو التدليل عليها.

وقد تتابعت نصوص أئمة المذهب مؤكدة على الحقيقة المتقدمة، وسنكتفي بذكر نماذج من أقوال الآخذين منهم بأخبار الآحاد في مجال التعبد، دون من لم يقبلها؛ لأن موقف هذا الفريق الأخير من الوضوح بما لا يحتاج معه إلى مزيد تقرير أو استشهاد.

1 -يرى الحاكم الجشمي أن أخبار الآحاد لا يصح التعويل عليها فيما سبيله العلم والاعتقاد (838) ، وفي سياق تفسيره لقول الله تعالى: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت