والطيور الحسنة، ويسطو على الأموال، ولا يتنزه عن أكل الأوزاغ والعقارب والحيات وكل شيء تعافه النفس، فكيف يُحكم بطهارة سؤره؟!
وكأن التحليل والتحريم مسألة عقلية تخضع لنظر زيد وعمرو، وقد أثبتت الأبحاث العلمية الحديثة ما يشتمل عليه لعاب الكلب من جراثيم وميكروبات يمكن أن تسبب الكثير من الأمراض، وحتى لو لم يثبت ذلك فالواجب على المسلم أن ينقاد لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ثبت عنه، وصحت روايته.
4 -ولا يفترق الجاحظ في مواقفه كثيرًا عن أستاذه النظَّام، وإن كان أخف لهجةً وأكثر التزامًا (823) ، وقد مال جماعة من المعتزلة إلى رفض العمل والاحتجاج بأخبار الآحاد مطلقًا؛ منهم: حفص الفرد (824) ، وإبراهيم بن إسماعيل بن علية (825) ، والخياط، ولتلميذه أبي القاسم البلخي رد مستقل عليه في هذه المسألة (826) ، ومنع الأصم والجبائي من جواز التعبد بخبر الواحد عقلًا (827) ، ونسب الجويني هذا المذهب إلى بعض المعتزلة دون تحديد (828) ، وجعلهم ابن حزم خارجين عن إجماع الأمة، التي اتفقت على قبول خبر الواحد الثقة، حتى ظهر متكلمو المعتزلة بعد المائة من التاريخ فخالفوا الإجماع في ذلك (829) .
5 -وقد تغير الموقف الاعتزالي بصورة كبيرة على يد القاضي عبد الجبار ومدرسته المتأخرة، فلم يتأثر بأقوال أئمة الاعتزال المتقدمين، ولا حتى أستاذه أبي علي الجبائي (830) ؛ الذي اشترط لصحة الحديث أن يكون عزيزًا لا غريبًا، وإنما صرح في مواضع عديدة (831) من كتبه بأن خبر الواحد حجة في مجال التعبد، واستفاض هو وتلميذه أبو الحسين البصري (832) في التدليل على ذلك والرد على شُبَه النفاة والمنكرين لحجيته، ووافقهم على هذا الرأي أبو القاسم البلخي (833) .
لكن قبول خبر الواحد عند هؤلاء النفر لم يكن على عمومه في كافة أنواع الأحكام الفقهية؛ وإنما فيما سوى الحقوق والمعاملات (834) ، كما لا يُجوِّز المعتزلة للراوي أن يقول في هذا النوع من الأحاديث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بل يستخدم صيغ التمريض؛ كرُوي، وخبرنا، وحُكي لنا، وما أشبه ذلك (835) ؛ لأن خبر الواحد عندهم ظني الثبوت، وما كان هذا حاله فلا يجوز أن يُجزم بنسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم.