والتراسل والاتفاق فهو حجة، وما يصح ذلك فيه فهو مطرح» (817) ، وواضح أن النوع الأول المقبول هو المتواتر، والثاني المطروح هو الآحاد.
وليس بين أيدينا نصوص أخرى أكثر تفصيلًا تزيل اللبس والإيهام حول موقف واصل، وهل كان لا يقبل الآحاد في الأصول والفروع، ويقتصر على المتواتر، مثلما أشار بعض الباحثين (818) ، أو أنه كان يردها في العقائد ويقبلها في الفقهيات، لا سيما مع تلمذته على الحسن البصري أحد أئمة الحديث الكبار، وقرب العهد نسبيًّا من زمان الصحابة والتابعين؛ بحيث يصير القول برد الآحاد كليةً في غاية الغلو، حتى إن متأخري المعتزلة أنفسهم لم يقبلوه، واستفاضوا في رده وإبطاله.
2 -ولعمرو بن عبيد مواقف متعددة في ردِّ أخبار الآحاد حتى لو لم تتضمن أحكامًا عقدية؛ وإنما اقتصرت على الأحكام الفقهية فحسب، فقد سُئل عن حديث سمرة بن جندب أن النبيُّ صلى الله عليه وسلم كان يسكت سكتتين في صلاته، فقال: «ما تصنع بسمرة؟ قبح الله سمرة» (819) . وردَّ حديث العفو عن السارق إذا لم يصل الأمر للسلطان (820) ، وصحيح أننا لا نستطيع من خلال هذه المواقف الجزئية أن نخرج بتحديد دقيق لرأي عمرو في قبول خبر الواحد أو رفضه؛ لكنها على أية حال إشارة مهمة إلى أنه على فرض قبوله سيطلق العنان لعقله تصحيحًا وتضعيفًا، بغض النظر عن قوة الأسانيد أو ضعفها (821) .
3 -ومع قول النظَّام بإفادة خبر الواحد العلم في بعض أحواله، فإن موقفه لم يكن أفضل من سابقيه؛ بل زاد عليهم في رده لعدد كبير من أحاديث الآحاد البعيدة كل البعد عن أمور العقيدة، والمتضمنة لأحكام عملية، ردًّا مشوبًا بالسخرية والاستهزاء، وقد وقفت على نموذج من ذلك نقله عنه تلميذه الجاحظ في كتابه «الحيوان» (822) ؛ حيث تعجب النظَّام من الأحاديث التي تحكم بنجاسة سؤر الكلاب، وتأمر بقتل بعض أنواعها؛ كالكلب العقور والكلب الأسود، ثم تحكم بطهارة الهرة وكونها من الطوافين والطوافات.
وهو يعيب على المحدِّثين روايتهم تلك الأحاديث ونسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الكلب من جهة نظره العقلية أعظم منفعة من السنور الذي يأكل الحمام والفراخ والعصافير