وتكررت حكاية الإجماع عند أبي يعلى الحنبلي (812) وابن عبد البر (813) ، الذي أشار بعد نقله اتفاق أهل العلم في جميع الأمصار من لدن الصحابة إلى عصره على إيجاب العمل بخبر الواحد إلى وجود نزاع غير معتبر للخوارج، وطوائف من أهل البدع، وشرذمة لا تعد خلافًا، ولا تخدش في صحة الإجماع أو وقوعه.
وإذا انتقلنا إلى تفصيل موقف المعتزلة والأشاعرة، فمن اليسير أن نلحظ انتقاء الخلاف داخل المذهب الأشعري، فأئمته جميعًا -ودونما استثناء- متفقون على وجوب التعبد والعمل بخبر الواحد، وقد أفردوا في مصنفاتهم الأصولية (814) مباحث مطولة لإثبات ذلك، والرد على من نازع في حجية العمل بأخبار الآحاد، كما نقلوا الاتفاق على الأخذ بها في أخبار الناس العادية، وفي الفتوى والشهادات.
أما الأحكام الشرعية التي وقع النزاع بشأنها فقد عُنوا بإيراد الأدلة المتنوعة من الكتاب، والسُّنَّة المتواترة، والإجماع، والقياس، والمعقول، والتي تدل بما لا يدع مجالًا للشك على أن الاعتداد بخبر الواحد أصل شرعي تضافرت على تقريره عشرات الشواهد من النصوص والسيرة العملية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين (815) .
ويلاحظ أن غالب الأدلة التي ساقها أئمة الأشاعرة تتضمن قبول خبر الواحد والتعويل عليه مطلقًا وعلى سبيل العموم، وبدون تفريق بين مجالي الاعتقاد أو التعبد، ولا سيما احتجاجهم بالمسلك العملي للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولكنهم قصروا دلالتها على جانب العمليات دون العلميات، وقد أُورد على هذه الأدلة العديد من الإشكالات والشُّبَه، وأجاب عنها أئمة الأشاعرة تفصيلًا، منتهين من ذلك -كما يقول الغزالي- إلى «أن الصحيح الذي ذهب إليه الجماهير من سلف الأمة -من الصحابة والتابعين والفقهاء والمتكلمين- أنه لا يستحيل التعبد بخبر الواحد عقلًا، ولا يجب التعبد به عقلًا، وأن التعبد به واقع سمعًا» (816) .
أما المعتزلة فإنهم كما هي عادتهم المستمرة لم يتفقوا على رأي واحد، وتغير الموقف ما بين المتقدمين والمتأخرين، وحدث نوع من التطور تُجاه هذه المسألة، نُجمله فيما يلي:
1 -يُفهم من كلام واصل -الذي حكاه القاضي عبد الجبار- أنه لا يرى حجية خبر الواحد مطلقًا دون تفرقة بين مجالي الاعتقاد والتعبد؛ حيث قال: «كل خبر لا يمكن فيه التواطؤ