فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 584

الأمم، مع أن جُل ذلك مروي من طريق الآحاد، ولا أظن أن أحدًا يستطيع الادعاء بأن ورودها جاء بالتواتر المفيد للقطع واليقين (808) .

وليس من المبالغة أن يقال: إن من أخبار الآحاد ما يضطر المرء إلى التصديق به، أو على الأقل الاعتقاد النظري بثبوته، وإن نازع في ذلك بلسانه وشاهد الحال أظهر دليل على تلك الحقيقة، فربما سمع المرء بقدوم غائب أو حبيب، فيستعد للقائه، ويتجشم الصعاب في الذهاب إليه مع ما يلحقه من مشقة ونصب، والمخبر في تلك الأحوال واحد فقط (809) ، ولا يقال: إن هذا من باب العمل بخبر الواحد وليس الاعتقاد؛ لأنه لو لم يجزم بتصديقه ما أقدم على ما فعله، والفصل بين مجالي العلم والعمل مسألة في غاية الصعوبة (810) ، تأباها الطبيعة البشرية، وتركيبة النفس الإنسانية في داخل كل واحد منا، ويصير التفريق بينهما أمرًا نظريًّا لتسهيل البحث والدراسة، وأما على أرض الواقع فالحال مختلف؛ إذ لا تنبعث نفس الإنسان للإقدام على فعل ما، وعقد العزم عليه، إلَّا في وجود قدر كافٍ من التصديق الداخلي، والاقتناع الذاتي بصحة ذلك الأمر، وأما نوعية هذا التصديق، وهل هو علم أو ظن؟ فمسألة نسبية تختلف من شخص لآخر، ومن حالة لأخرى، ولا تخدش في القدر المشترك، والمفترض وجوده في جميع الأحوال.

أخبار الآحاد في مجال التعبد

والذي يدعونا إلى دراسة هذه المسألة، مع أن اهتمام البحث ينصب على مجال الاعتقاد وليس التعبد -هو اعتبار موقف المعتزلة والأشاعرة منها بمثابة مؤشر مهم لموقفهم من حجية أخبار الآحاد في مجال الاعتقاد؛ إذ من المؤكد أن مَن رفض أو توقف في قبول خبر الواحد والأخذ به في الأحكام العملية؛ سيسلك نفس المسلك -من باب أولى- في الأحكام العملية.

وقد اتفقت كلمة أهل العلم على وجوب العمل بأخبار الآحاد وقبولها، والتعبد بما تتضمنه من أحكام، ولم يُنقل أدنى خلاف في ذلك عن أحدٍ منهم، حتى عدَّه بعضهم إجماعًا، ولعل الإمام الشافعي أقدم مَن نقل اتفاق المسلمين جميعًا على الاحتجاج بخبر الواحد؛ حيث قال في رسالته المشهورة: «ولو جاز لأحدٍ من الناس أن يقول في علم الخاصة: أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على تثبيت خبر الواحد، والانتهاء إليه بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلَّا وقد ثبته؛ جاز لي، ولكن أقول: لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد» (811) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت