فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 584

ذلك ظاهرة من يبس شفتيه، أو تغير لونه، أو حرارة جسمه، كذا لو أخبر بما عليه فيه ضرر، ولكن حملته خشية الله، والخوف من عذابه، وليس هناك ما يلجئه للإقرار، وغير ذلك مما عُني الأصوليون بذكر تفصيلاته (801) ، وإن كان يلاحظ أن القرائن المنفصلة أكثر وقوعًا في أخبار الناس العادية منها في الأحاديث النبوية.

الاتجاه الرابع

ويرى أن خبر الواحد لا يفيد شيئًا، لا علمًا، ولا على أسوأ الأحوال ظنًّا، وقد حكاه السرخسي، ولم ينسبه لأحد (802) ، كما حكاه صاحب «شرح التوضيح» بدون نسبة أيضًا (803) ، وذكر الشاطبي (804) أن طائفة ذهبت إلى نفي أخبار الآحاد جملة، والاقتصار على ما استحسنته عقولهم في فهم القرآن، وعزا ابن القيم (805) إلى هذه الطائفة نفي أخبار الآحاد جملةً وتفصيلًا وردها بالكلية، سواء أكانت مما يقضي علمًا أم عملًا، وهؤلاء هم الذين ناظرهم الشافعي، وعقد فصولًا مطولة للرد عليهم في كتابه «الرسالة» ، ويسمون في عصرنا هذا بالقرآنيين (806) ، ولا يخفى أن هذا الاتجاه لا يستحق الوقوف عنده طويلًا لشذوذه عن أقوال سائر المسلمين، وعدم استناده إلى ما يمكن أن يسمى دليلًا؛ بل هي شبهات وأهواء خالية عن الحجة والبرهان.

وهكذا لا يتبقى معنا سوى اتجاهات ثلاثة، وقد علمنا أن الاتجاه الأول لا قائل به، فتنحصر الموازنة بين الاتجاهين الثاني والثالث، وفي رأيي أن الاتجاه الثالث القائل بإفادة خبر الواحد المحتف بالقرائن العلم أقوى من غيره وأقرب للقبول، وهو سالم من كل الاعتراضات التي وُجهت للاتجاهات الأخرى، كما أن مناصريه قد استدلوا على صحته بجملة متكاثرة من الحجج والأدلة يطول المقام بذكرها، ونكتفي بالإحالة إليها (807) ، ونقتصر على دليل واحد من الواقع العملي.

فمن الأمور المشاهَدة أن كل الطوائف -دونما استثناء- تُسلم بصحة أقوال أئمتها، وتجزم بكونها مذاهب لهم ويجادلون عنها ويتفانون في نصرتها، ولو شك فيها أحد لأنكروا عليه، وهم ينسبون الكتب والمصنفات إلى أصحابها، ولو كانت مما مر عليه دهر طويل، وتعاورتها الأيدي؛ كمؤلفات أرسطو وأفلاطون، وأساطين الفلسفة والطب والطبيعة، وأشعار الجاهليين وتاريخ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت