فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 584

والزركشي (792) والتفتازاني، والإيجي، والشريف الجرجاني (793) ، وعزاه صاحب تيسير التحرير (794) إلى الجويني والغزالي والآمدي والرازي، وفي كلامه نظر. نعم، يصح ذلك فيما يتعلق بالآمدي، أما الجويني فقد صرح بخلافه، وأما الغزالي والرازي فكلامهما النظري (795) يفيد ذلك؛ لكن مواقفهما العملية تتفق مع الاتجاه القائل بالظنية.

ولعله صار واضحًا بعد سرد الأسماء الكثيرة السابقة -والتي حاولنا ذكر ما أمكننا الوقوف عليه منها- عدم صحة ما ذاع واشتهرت حكايته ونقله عند غالبية المتأخرين من كون خبر الواحد لا يفيد إلَّا الظن، ولا يمكن أن يُحصِّل علمًا أيًّا كانت طريقة وروده وكيفية نقله، حتى أصبح هذا القول إحدى البدهيات التي تتابعت المؤلفات الكلامية والأصولية على ذكرها ونقل الإجماع عليها، مع أن النصوص السابقة تدل على أن المسألة خلافية، إن لم يكن جمهور الأمة على خلاف ما حكوه.

وقد نسب أبو المظفر السمعاني (ت 489 هـ) إلى عامة أهل الحديث القول بإفادة خبر الواحد العدل العلمَ، وأرجع نشأة القول بظنيته مطلقًا إلى القدرية والمعتزلة، وكان قصدهم من ذلك رد الأخبار، ثم انتقل إلى بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول (796) ، وانتقل ابن تيمية بالمسألة إلى مدى أبعد؛ فلم يقتصر على عزو هذا الاتجاه إلى جمهور المحدثين فحسب؛ بل نسبه إلى جمهور الأمة من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، سوى فرقة قليلة من المتأخرين (797) ، وهو قول المحدثين وأكثر الأشعرية، وابن تيمية معروف بالأمانة والدقة في نقل الأقوال باعتراف خصومه وموافقيه (798) .

وتجدر الإشارة إلى أن القرائن التي يقصدها أصحاب هذا الاتجاه متنوعة ومتفاوتة فيما بينها، أو كما يقول الرازي: «لا تفي العبارات بوصفها» (799) ، لكن يمكن إجمالها في قسمين أساسيين (800) :

أحدهما: القرائن المتصلة: وهي أمور ترجع إلى أحوال الراوي، أو المروي، أو السامع المتلقي للخبر.

والآخر: القرائن المنفصلة: وهي أمور خارجية غير ملازمة للخبر في جميع أحواله؛ بل تقترن معه في بعض الأحيان دون بعضها الآخر، كمن أخبر بعطشه أو مرضه، ورُئيت عليه علامات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت