فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 584

واختار عدد من الأشاعرة إفادة أحاديث الصحيحين «البخاري ومسلم» والتي اتفق المسلمون على صحتها -العلم القطعي؛ نظرًا لتلقي الأمة لها بالقبول، وامتناع اتفاقها على الخطأ، فيدل هذا الاتفاق على قطعية ثبوت تلك الأحاديث سوى أحرف يسيرة انتقدها بعض الحُفَّاظ كالدارقطني وغيره (784) .

وممن قال بهذا المذهب من الأشاعرة: أبو إسحاق الإسفراييني، والذي نقل إجماع أهل الصنعة على القطع بما في الصحيحين (785) ، والجويني الذي حُكي عنه أنه قال: «لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في الصحيحين مما حكما بصحته من قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ألزمته الطلاق؛ لإجماع علماء المسلمين على صحته» (786) ، وقد استفاد بعضهم من كلام إمام الحرمين اختياره القول بقطعية أحاديث الصحيحين، مع أن مذهبه الذي أسلفنا ذكره هو إفادة خبر الواحد الظن بكل حال، مما دعا الإمام النووي (787) إلى تأويل عبارته لتوافق قوله المعروف في المسألة.

واستقصاء أسماء الأشاعرة وغير الأشاعرة القائلين بقطعية أحاديث الصحيحين أمر غير يسير، ومن أشهرهم: ابن الصلاح، وابن القيسراني، وابن كيكلدى العلائي، والحافظ ابن كثير، وشيخ الإسلام ابن تيميَّة، وابن القيم، وسراج الدين البلقيني، وابن حجر العسقلاني، والسيوطي، وولي الله الدهلوي، والشوكاني، وصديق حسن خان، ومحمد أنور الكشميري الحنفي، والشيخ أحمد شاكر، والشيخ الألباني، وغيرهم الكثير (788) .

وتظهر أهمية هذا المذهب إذا علمنا أن أحاديث الصحيحين ليست بالعدد القليل، وهي بالمفهوم الكلامي لا تخرج عن عداد الآحاد، والقول بإفادتها العلم يوسع كثيرًا من المساحة أو الحيز الذي تستطيع السُّنَّة أن تعمل من خلاله في مجال العقيدة، لا سيما وأن أحاديث العقائد في الكتابين يمكن أن تغطي أغلب الأبواب التي بحث فيها المتكلمون.

كذلك اختار عدد من أئمة الأشاعرة القول بإفادة خبر الواحد المحتف بالقرائن العلم، وممن صرح بذلك الآمدي حيث قال: «المختار: حصول العلم بخبره -أي: الواحد العدل- إذا احتفت به القرائن، ويمتنع عادة دون القرائن، وإن كان لا يمتنع خرق العادة بأن يخلق الله تعالى لنا العلم بخبره من غير قرينة» (789) ، ووافقه ابن الحاجب (790) ، والجلال المحلي (791) ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت