ويرى أصحابه أن خبر الواحد لا يُحكم عليه بحكم عام، فهو لا يفيد الظن مطلقًا، كما لا يفيد العلم مطلقًا، وإنما يستفاد من أخبار الآحاد العلم إذا احتفت بها قرائن يقطع معها بصدق الخبر، وتنتفي إمكانية الشك في ثبوته، وقد قال بهذا المذهب أو ببعض صوره كثير من العلماء متنوعي التخصصات، مما يردُّ بوضوح على الرأي الشائع -دون تحقيق- من كون أخبار الآحاد لا تفيد إلَّا الظن مطلقًا بالاتفاق بل بإجماع الأصوليين والمتكلمين، وسوف نرى من خلال الأسماء الآتي ذكرها أن هذا الاتفاق المدعى لا نصيب له من الصحة، وأن عددًا غير قليل من أهل العلم يخالفون هذا القول، ويتبنون ما يعارضه.
وأبرز مَن قال بهذا المذهب من المعتزلة النظَّام، مع نوع من الاختلاف في مسلكه واستدلاله؛ فقد ذهب إلى أن خبر الواحد ربما أفاد العلم الضروري إذا قارنه سبب، ومثَّل لذلك بالمخبر الواحد عن موت مَن تقدم لنا العلم بشدة مرضه، وشاهدنا عند خبره الأمارات والآلات التي لا تصلح إلَّا للموتى، فهذه قرائن وشواهد تقطع بصحة الخبر وصدق ناقله (779) .
وثمة نص على قدر كبير من الأهمية ذكره أبو الحسين البصري (780) ، ويدل بوضوح على أن عددًا غير قليل من أئمة المعتزلة يقطعون بصحة خبر الواحد لتوافر إحدى القرائن؛ وهي إجماع الأمة على مقتضاه والحكم بصحته، وقد نُسب ذلك إلى أبي هاشم الجبائي، وأبي عبد الله البصري، والقاضي عبد الجبار، وإذا أضفنا إليهم النظام وأبا الحسين البصري خرجنا برأي خمسة من المعتزلة يقطعون بصحة خبر الواحد في بعض صوره، ولكن مع هذا فالغالب على المعتزلة هو الاتجاه السابق.
أما الأشاعرة، فيمكن أن نرصد عددًا كبيرًا من أئمتهم يتبنون هذا الاتجاه، فقد رجَّح كلٌّ من: ابن فورك، وأبي إسحاق الإسفراييني (781) ، وعبد القاهر البغدادي (782) إفادةَ الخبر المستفيض للعلم كالمتواتر، ولكنه علم نظري مكتسب وليس علمًا ضروريًّا، ويدخل في مفهوم المستفيض عند عبد القاهر أنواع كثيرة؛ كخبر الواحد المجمع على حكمه، والخبر الذي كان أحادي الأصل ثم تواتر بعد ذلك، وهو يقارب المشهور الحنفي، الذي انتهى أكثر الأصوليين من الأحناف (783) إلى إفادته العلم، ويسمون هذا النوع من العلم «علم الطمأنينة» وهو دون المتواتر وفوق الآحاد.