فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 584

3 -لو حصل العلم بخبر الواحد مجردًا، لم يَحْتَجْ مَن ادعى النبوة إلى تأييد خبره بالمعجزات التي يُعلم بها صحة ما ادعاه؛ لأن العلم يحصل بمجرد خبره، فلا يحتاج إلى زيادة مقويات؛ إذ يصير من باب تحصيل الحاصل، ويجاب عن ذلك بأن هناك فارقًا واضحًا بين المخبر العادي بأمر وجد ما يماثله بين الناس وبين مَن يدعي النبوة، فيأتي بأمر غير مألوف، وينصب نفسه مشرعًا يُخبر عن الله، ويبين الحلال والحرام، وينقل الناس عن عوائدهم ومؤلفاتهم، مما يُحتاج معه إلى آيات تقوي دعوته، وتثبت صدقه وإرساله من عند الله، فأين هذا كله من إخبار يتكرر في اليوم عشرات المرات؟

4 -لو أفاد خبر الواحد العلم ما تعارض خبران، ونحن نرى الكثير من الأخبار يتعارض، فإن قيل بإفادة الجميع العلم حصل اجتماع الضدين وهو محال، وإن قيل بإفادة أحدهما كان ترجيحًا بلا مرجح، وهذا يدل على أن أحدهما لا بعينه كذب، فيجب التوقف في كل خبر.

ويجاب عن ذلك بأن التعارض الحقيقي لا وجود له ألبتة بين نصين ثابتين في نفس الأمر، وأما التعارض الظاهري فموجود حتى في نصوص القرآن والسُّنَّة المتواترة، وهما مفيدان للعلم بالاتفاق، فليس مقصورًا على أخبار الآحاد وحدها، وأي جواب يوردونه للخروج من إشكال وجوده في النصوص القطعية، صالح للإجابة في حالة الآحاد، ثم إن القائلين بإفادة خبر الواحد المحتف بالقرائن العلمَ اشترطوا سلامته من المعارضة (777) حتى يُحكم له بالصحة.

وتبقى بعض الحجج الأخرى والتي لا تخرج عما ذكرناه كالأوجه الأربعة عشر التي ساقها الرازي في كتابه «المطالب العالية» (778) لإثبات ظنية أخبار الآحاد على سبيل العموم، استنادًا إلى إمكانية وَهْم الرواة وخطئهم ووقوع السهو في المتون والألفاظ، ولا يخفى أن النزاع ليس في وقوع الخطأ والوهم في أخبار الآحاد، فذلك واقع بالفعل، وإنما النزاع في جعل ذلك قضية كلية تشمل جميع صور وحالات خبر الواحد، وكما هو معلوم فإن إثبات مثال واحد مفيد للعلم من هذه الأخبار يكفي لخرم هذه الكلية المدعاة، وهو ما يسعى إليه أصحاب الاتجاه القادم، القائلون بأن خبر الواحد قد يفيد العلم بشروط معينة، والعجيب أن الرازي نفسه نُسب إليه شيء من هذا القبيل.

الاتجاه الثالث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت