وممن قال بذلك أيضًا من الأشاعرة: الباقلاني (761) ، وابن فورك (762) ، وعبد القاهر البغدادي (763) ، والجويني (764) ، الغزالي (765) ، والرازي (766) ، وأبو بكر بن العربي (767) ، والتفتازاني (768) ، وبعض المحدِّثين المتأثرين بنزعات كلامية أشعرية؛ كالخطابي (769) ، والخطيب البغدادي (770) ، والبيهقي (771) ، والنووي (772) ، وابن الأثير (773) ، وكثير ممن كتبوا في أصول الفقه؛ بل عَدَّ الشيخ شلتوت ذلك مما اجتمعت عليه كلمة المتكلمين والأصوليين (774) ، مع أن في هذا الاتفاق المدعى نظرًا سيتضح من الكلام عن الاتجاه القادم، كما أن عددًا من الأسماء المذكورة هنا نُقلت عنهم أقوال تقترب بهم من أصحاب المذهب الآتي ذكره.
وقد احتجَّ أصحاب هذا الاتجاه على ما انتهوا إليه من رأي، بجملة حجج تقتضي نوعًا من المناقشة والنظر في مضمونها، ومن أبرزها ما يلي (775) :
1 -لو كان خبر الواحد مفيدًا للعلم لأفاد خبر كل واحد، كما أن خبر التواتر لما كان موجبًا للعلم كان كل خبر متواتر كذلك، ويبدو الضعف الواضح في صياغة هذه الحجة حتى إن الآمدي وصفها بأنها واهية (776) ، وهي أقرب إلى أن تكون من باب لزوم ما لا يلزم، فمن الذي قال: إن خبر كل واحد يفيد العلم أيًّا كانت صفة راويه، وأما حصول العلم بكل متواتر، فلتوفر الشروط التي يصدق من أجلها وصف التواتر وتحصيل العلم الضروري، بخلاف الآحاد، فإن أفراده تختلف، فلا يحصل العلم بكل واحد منها، ثم إن هذه الحجة لو صحت فإنما تلزم القائلين بالمذهب الأول فحسب، ولا تلزم القائلين بإفادة العلم مع وجود القرائن.
2 -خبر الواحد يجوز عليه الكذب، ويمكن فيه السهو، وإن لم يتعمد الراوي الكذب، وما دام الأمر كذلك، فالواجب عدم القطع بصدق المخبِر ولا كذبه؛ بل يبقى خبره مظنونًا.
ويُجاب عن تلك الحجة بأن التجويز المذكور ممكن؛ بل واقع فيما لا يحصى من الأمثلة، ولكن النزاع الحقيقي في كونه صفة لازمة لا ينفك عنه كل خبر واحد، حتى لو احتفت به قرائن تقطع بصدق المخبر، وتنفي احتمال أي شبهة لخطئه فضلًا عن الكذب المتعمد، وليس ثمة دليل على تلك الملازمة، وإن صلحت هذه الحجة في الرد على مَن قطع بخبر كل واحد، فليست صالحة للرد على مَن قطع ببعضها دون البعض الآخر.