فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 584

وأما أهل الظاهر، فإن ابن حزم -وهو أبرز مُنظِّريهم- قد صرح بمذهبه في هذه المسألة، وخلاصته: أن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجب العلم والعمل، فليس خبر كل واحد هكذا مطلقًا، وإنما خبر العدل فحسب (751) ، وهذا فهم غير صحيح.

ويبدو أن نسبة هذا القول إلى أحمد وأهل الظاهر كان من باب لازم أقوالهم؛ حيث رأى نفر من الأصوليين أنهم يقولون بإفادة خبر الواحد العدل العلم، ففهموا أنهم يذهبون إلى إفادة خبر كل واحد القطع واليقين، سواء أكان عدلًا أم ليس بعدل (752) .

الاتجاه الثاني

وذهب أصحابه إلى أن خبر الواحد يفيد الظن مطلقًا، سواء احتفت به القرائن أو ورد مجردًا عنها، وسواء تلقته الأمة بالقبول أو لم يكن الحال كذلك، فهو في جميع صوره لا يعدو درجة الظنية، التي يبقى فيها مجال للشك -قليلًا كان أو كثيرًا- في ثبوت الخبر وصحة نقله، وممن تبنى هذا المذهب جمهور المعتزلة والأشاعرة وعدد من الأصوليين والمحدثين ذوي النزعات الكلامية.

ونصوص المعتزلة كثيرة ومتنوعة في هذا الصدد، وقد صوَّر الخياط مذهبهم بقوله: «قولنا في خبر الواحد العدل: إنه لا يوجب علمًا بأن ما قال كما قال» (753) ، ووافقه على ذلك الرأي كلٌّ من أبي القاسم البلخي (754) ، والحاكم الجشمي (755) ، وأبي علي الجبائي (756) ، والقاضي عبد الجبار في العديد من كتبه (757) ، وهو مذهب سائر المعتزلة سوى النظَّام الذي جوَّز إفادة خبر الواحد العلم الضروري، إذا أحاطت به قرائن وأسباب يُقطع معها بصحة الخبر وينعدم مجال التشكيك في ثبوته، كما ذهب جماعة منهم إلى القول بإفادة خبر الواحد العِلْمَ في بعض الصور.

وأكثرية الأشاعرة ينحون هذا المنحى؛ بل وصل الأمر بأبي حامد الغزالي إلى أن يعد ذلك معلومًا بالضرورة (758) ، ووصف القول بإفادة خبر الواحد العلم بالمحال (759) ، ونقل الرازي اتفاق الناس على أن خبر الواحد لا يفيد إلَّا الظن -هكذا على سبيل الإطلاق دون تفصيل (760) - وكأن النفر الآتي ذكرهم -والقائلين بإفادة خبر الواحد المحتف بالقرائن العلمَ- مخالفون للضرورة، وقائلون بالمحال، ولا عبرة بوفاقهم أو خلافهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت