1 -أخبار الآحاد ومدى إفادتها العلم
وتعد هذه المسألة المفتاح الحقيقي لفهم الموقفين الاعتزالي والأشعري من حجية أحاديث الآحاد؛ إذ يترتب على البت فيها تحديد المجال الذي يمكن لتلك الأحاديث أن تعمل خلاله، أو يحتج بها على مسائله، ونظرًا لأهميتها البالغة فسوف نحاول قدر الطاقة التوسع في عرض الآراء الواردة بشأنها، وهي لا تخرج عن اتجاهات أربعة:
الاتجاه الأول
ويرى أن خبر الواحد يفيد العلم مطلقًا دونما قرينة أو شرط؛ بل يطَّرد ذلك في جميع أخبار الآحاد أيًّا كان وصفها، وقد نسب الجويني هذا المذهب إلى مَن أسماهم بالحشوية من الحنابلة وكتبة الحديث، ثم عقب عليه بعبارة شديدة فقال: «وهذا خزي لا يخفى مدركه على ذي لب» (747) ، وكان الآمدي أكثر تحديدًا حينما عزاه إلى بعض أهل الظاهر، والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، ولم يقصره على بعض الحنابلة (748) .
وتثير النسبة المذكورة شيئًا من التساؤل: فهل يمكن لعاقل أن يزعم إفادة خبر كل واحد العلم أيًّا كانت صفة رواته؟ أظن أنه ليس باستطاعة أحد من أهل العلم المعتبرين أن يقول بهذا المذهب، لا الإمام أحمد ولا أهل الظاهر، ولا غيرهم من المتقدمين أو المتأخرين؛ بل كما يقول ابن تيمية: «فإن أحدًا من العقلاء لم يقل: إن خبر كل واحد يفيد العلم، وبحث كثير من الناس إنما هو في رد هذا القول» (749) ، وقد أثار عزو هذا المذهب إلى الإمام أحمد غضب ابن القيم؛ فشدد النكير على مَن نسبه إليه، واصفًا مَن فعل ذلك بالكذب الصريح (750) .
وإضافة لنفي كلٍّ من ابن تيمية وابن القيم هذا المذهب عن إمامهما أحمد بن حنبل، وهما أخبر به من غيرهما، فإن المنقول عن أحمد رحمه الله في نقد الرواة وتجريحهم، وتضعيف الأحاديث وتعليلها، ولو كان رواتها عدولًا، وظاهر إسنادها الصحة لعلة خفية -مما يخرج عن الحصر، وهو من الشهرة بمكان في كتب الحديث.